الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
642
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وتارة يتصوب أثره إلى الروح ، فتموج منه الروح موجا ، ويكاد يضيق عنه نطاق القالب ، فيكون من ذلك الصياح والاضطراب ، وهذه كلها أحوال يجدها أربابها من أصحاب الأحوال . وقد كان ابن عمر ، - رضى اللّه عنهما - ، ربما مر بآية في ورده فتخنقه العبرة ويسقط ويلزم البيت اليوم واليومين حتى يعاد ويحسب مريضا . وقد كان الصحابة إذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى الأشعري يقولون : يا أبا موسى ذكرنا ربنا ، فيقرأ وهم يسمعون . فلمحبى السماع القرآني من الوجد والذوق واللذة والحلاوة والسرور أضعاف ما لمحبى السماع الشيطاني ، فإذا رأيت الرجل ذوقه ووجده وطربه ونشأته في سماع الأبيات دون سماع الآيات ، وفي سماع الألحان دون سماع القرآن كما قيل : نقرأ عليك الختمة وأنت جامد كالحجر ، وبيت من الشعر ينشد تميل كالنشوانى ، فاعلم أن هذا من أقوى الأدلة على فراغ قلبه من محبة اللّه ورسوله ، أدام اللّه لنا حلاوة محبته ، ولا سلك بنا في غير سبيل سنته ، بمنه ورحمته . ومن علامات محبته - صلى اللّه عليه وسلم - محبة سنته ، وقراءة حديثه ، فإن من دخلت حلاوة الإيمان في قلبه إذا سمع كلمة من كلام اللّه تعالى ، أو من حديث رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - تشربتها روحه وقلبه ونفسه ، ويقول : أشم منك نسيما لست أعرفه * أظن لمياء جرت فيك أردانا فتعمه تلك الكلمة وتشمله ، فتصير كل شعرة منه سمعا ، وكل ذرة منه بصرا ، فيسمع الكل بالكل ويبصر الكل بالكل ويقول : لي حبيب خياله نصب عيني * سره في ضمائرى مدفون إن تذكرته فكلى قلوب * أو تأملته فكلى عيون فحينئذ يستنير قلبه ، ويشرق سره ، وتتلاطم عليه أمواج التحقيق عند ظهور البراهين ، ويرتوى برى عطف محبوبه ، الذي لا شيء أروى لقلبه من