الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

639

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

ومن علامات محبته - صلى اللّه عليه وسلم - تعظيمه عند ذكره ، وإظهار الخشوع والخضوع والانكسار مع سماع اسمه ، فكل من أحب شيئا خضع له ، كما كان كثير من الصحابة بعده إذا ذكروه خشعوا واقشعرت جلودهم وبكوا ، وكذلك كان كثير من التابعين فمن بعدهم يفعلون ذلك محبة وشوقا وتهيبا وتوقيرا . قال أبو إبراهيم التجيبى . واجب على كل مؤمن متى ذكره ، أو ذكر عنده ، أن يخضع ويخشع ويتوقر ويسكن من حركته ، ويأخذ في هيبته وإجلاله ، بما كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه ويتأدب بما أدبنا اللّه به . وكان أيوب السختياني إذا ذكر النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - بكى حتى نرحمه . وكان جعفر بن محمد كثير الدعابة والتبسم ، فإذا ذكر النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - اصفر لونه . وكان عبد الرحمن بن القاسم إذا ذكر النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - ينظر إلى لونه كأنه قد نزف منه الدم ، وقد جف لسانه في فمه هيبة لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - . وكان عبد اللّه بن الزبير إذا ذكر عنده النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع . وكان الزهري من أهنأ الناس وأقربهم ، فإذا ذكر عنده النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - فكأنك ما عرفته ولا عرفك . وكان صفوان بن سليم من المتعبدين المجتهدين ، فإذا ذكر عنده النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - بكى ، فلا يزال يبكى حتى يقوم الناس عنه ويتركوه . وكان قتادة إذا سمع الحديث ، أخذه البكاء والعويل والزويل . أشار إلى ذلك القاضي عياض . ومن علامات محبته - صلى اللّه عليه وسلم - كثرة الشوق إلى لقائه ، إذ كل حبيب يحب لقاء حبيبه . ولبعضهم : المحبة الشوق إلى المحبوب ، وعن معروف الكرخي : المحبة ارتياح الذات لمشاهدة الصفات ، أو مشاهدة أسرار الصفات ، فيرى بلوغ السؤل ولو بمشاهدة الرسول . ولهذا كانت الصحابة - رضى اللّه عنهم - إذا اشتد بهم الشوق وأزعجتهم لواعج المحبة قصدوا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - واشتفوا بمشاهدته ، وتلذذوا بالجلوس معه والنظر إليه والتبرك به - صلى اللّه عليه وسلم - . وعن عبدة بنت خالد بن معدان : ما كان خالد يأوى إلى فراش إلا وهو يذكر من شوقه إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وإلى أصحابه من المهاجرين والأنصار