الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

634

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

والعلم اللدني الرحماني هو ثمرة العبودية والمتابعة لهذا النبيّ الكريم . - عليه أزكى الصلاة وأتم التسليم - ، وبه يحصل الفهم في الكتاب والسنة بأمر يختص به صاحبه كما قال علي بن أبي طالب ، وقد سئل : هل خصكم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بشيء دون الناس ؟ فقال : لا ، إلا فهما يؤتيه اللّه عبدا في كتابه . فهذا هو العلم اللدني الحقيقي . فاتباع هذا النبيّ الكريم حياة القلوب ، ونور البصائر ، وشفاء الصدور ، ورياض النفوس ، ولذة الأرواح ، وأنس المستوحشين ، ودليل المتحيرين . ومن علامة محبته : أن يرضى مدعيها بما شرعه ، حتى لا يجد في نفسه حرجا مما قضى . قال اللّه تعالى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً « 1 » ، فسلب اسم الإيمان عن من وجد في صدره حرجا من قضائه ولم يسلم له . قال شيخ المحققين وإمام العارفين ، تاج الدين بن عطاء اللّه الشاذلي - أذاقنا اللّه حلاوة مشربه - : في هذه الآية دلالة على أن الإيمان الحقيقي لا يحصل إلا لمن حكم اللّه ورسوله - صلى اللّه عليه وسلم - على نفسه قولا وفعلا وأخذا وتركا ، وحبّا وبغضا ، ويشتمل ذلك على حكم التكليف وحكم التعريف ، والتسليم والانقياد واجب على كل مؤمن في كليهما . فأحكام التكليف : الأوامر والنواهي المتعلقة باكتساب العباد . وأحكام التعريف : هو ما أورده عليك من فهم المراد . فتبين من هذا : أنه لا يحصل لك حقيقة الإيمان إلا بأمرين : الامتثال لأمره ، والاستسلام لقهره . ثم إنه سبحانه لم يكتف بنفي الإيمان عمن لم يحكم ، أو حكم ووجد الحرج في نفسه ، حتى أقسم على ذلك بالربوبية الخاصة برسوله - صلى اللّه عليه وسلم - رأفة وعناية وتخصيصا ورعاية ، لأنه لم يقل : فلا والرب ، وإنما قال : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ « 2 » ففي ذلك تأكيد بالقسم ، وتأكيد

--> ( 1 ) سورة النساء : 65 . ( 2 ) سورة النساء : 65 .