الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

631

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

ويزهد في التعلقات الفانية ، ويدأب في تصحيح التوبة ، والقيام بالمأمورات الظاهرة والباطنة ، وترك المنهيات الظاهرة والباطنة ، ثم يقوم حارسا على قلبه فلا يسامحه بخطرة يكرهها اللّه تعالى ، ولا بخطرة فضول لا تنفعه ، فيصفو لذلك قلبه بذكر ربه ومحبته والإنابة إليه ، ويخرج من بين بيوت طبعه ونفسه ، إلى فضاء الخلوة بربه وذكره ، كما قال : وأخرج من بين البيوت لعلنى * أحدث عنك النفس في السر خاليا فحينئذ يجتمع قلبه وخواطره وحديث نفسه على إرادة ربه وطلبه والشوق إليه ، فإذا صدق في ذلك رزق محبة الرسول ، واستولت روحانيته على قلبه ، فجعله إمامه وأستاذه ومعلمه وشيخه وقدوته ، كما جعله اللّه نبيه ورسوله وهاديه ، فيطالع سيرته ومبادى أموره ، وكيفية نزول الوحي عليه ، ويعرف صفاته وأخلاقه وآدابه وحركاته وسكونه ، ويقظته ومنامه ، وعبادته ومعاشرته لأهله وأصحابه ، إلى غير ذلك مما منحه اللّه تعالى ، مما ذكرت بعضه ، حتى يصير كأنه معه من بعض أصحابه ، فإذا رسخ في قلبه ذلك فتح عليه من ربه بحيث إذا قرأ السورة شاهد قلبه ما ذا أنزلت فيه ، وما ذا أريد بها ، وحظه المختص به منها ، من الصفات والأخلاق والأفعال المذمومة ، فيجهد في التخلص منها ، كما يجتهد في تحصيل الشفاء من المرض المخوف . ولمحبة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - علامات : أعظمها الاقتداء به ، واستعمال سنته ، وسلوك طريقته ، والاهتداء بهديه وسيرته ، والوقوف مع ما حدّ لنا من شريعته . قال اللّه تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ « 1 » فجعل تعالى متابعة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - آية محبة العبد ربه ، وجعل جزاء العبد على حسن متابعة الرسول محبة اللّه تعالى إياه ، وقد قال الحكيم - وهو محمود الوراق - كما أفاده المحاسبي في كتابه « القصد والرجوع » : تعصى الإله وأنت تظهر حبه * هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته * إن المحب لمن يحب مطيع

--> ( 1 ) سورة آل عمران : 31 .