الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

628

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

قال : ويحتمل معنى آخر أدق من الذي قبله : وهو : أن يكون بمعنى مسموعه ، لأن المصدر قد جاء بمعنى المفعول ، مثل : فلان أملى ، بمعنى : مأمولى ، والمعنى : أنه لا يسمع إلا ذكرى ولا يلتذ إلا بتلاوة كتابي ولا يأنس إلا بمناجاتى ، ولا ينظر إلا في عجائب ملكوتي ، ولا يمد يده إلا فيما فيه رضاى ، ورجله كذلك . وقال غيره : اتفق العلماء - ممن يعتد بقولهم - على أن هذا مجاز وكناية عن نصرة العبد وتأييده وإعانته ، حتى كأنه سبحانه تنزل عنده منزلة الآلات التي يستعين بها ، ولهذا وقع في رواية : « فبى يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشى » . قال : والاتحادية زعموا أنه على حقيقته ، وأن الحق عين العبد ، تعالى اللّه عما يقول الظالمون والجاحدون علوّا كبيرا . وقال الخطابي : عبر بذلك عن سرعة إجابة الدعاء ، والنجح في الطلب ، وذلك أن مساعي الإنسان كلها إنما تكون بهذه الجوارح المذكورة . وعن أبي عثمان الجيزى - أحد أئمة الطريق - قال : معناه كنت أسرع إلى قضاء حوائجه من سمعه في الإسماع وعينه في النظر ، ويده في اللمس ورجله في المشي . كذا أسنده عنه البيهقي في « الزهد » « 1 » . وحمله بعض أهل الزيغ على ما يدعونه ، من أن العبد إذا لازم العبادة الظاهرة والباطنة حتى يصفى من الكدورات ، أنه يصير في معنى الحق ، تعالى اللّه عن ذلك ، وأنه يفنى عن نفسه جملة ، حتى يشهد أن اللّه هو الذاكر لنفسه ، والموحد لنفسه ، والمحب لنفسه ، وأن هذه الأسباب والرسوم تصير عدما صرفا . وعلى هذه الأوجه كلها فلا متمسك فيه للاتحادية ولا القائلين بالوحدة المطلقة ، لقوله في بقية الحديث ( ولئن سألني ) ، زاد في رواية عبد الواحد ( عبدي ) . انتهى ملخصا . قال العلامة ابن القيم : بتضمن هذا الحديث الشريف الإلهى - الذي حرام على غليظ الطبع كثيف القلب فهم معناه والمراد به - حصر أسباب

--> ( 1 ) ( ص 273 ) .