الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
608
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وصاحبه ، فما عتب اللّه ذلك عليهم ، وذلك قبل بدر بأزيد من عام ، فهذا كله يدل على أن فعل النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - في شأن الأسارى كان على تأويل وبصيرة على ما تقدم قبل ذلك مثله فلم ينكره اللّه عليه . لكن اللّه تعالى أراد لعظم أمر بدر وكثرة أسرارها - واللّه تعالى أعلم - إظهار نعمته وتأكيد منته بتعريفهم ما كتبه في اللوح المحفوظ من حل ذلك لا على وجه عتاب أو إنكار أو تذنيب قاله القاضي عياض « 1 » . وأما قوله تعالى : وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ( 74 ) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ « 2 » الآية . فالمعنى : لولا أن ثبتناك لقاربت أن تميل إلى اتباع مرادهم ، لكن أدركتك عصمتنا فمنعت أن تقرب فضلا عن أن تركن إليهم . وهو صريح في أنه - صلى اللّه عليه وسلم - ما همّ بإجابتهم مع قوة الدواعي إليها ، فالعصمة بتوفيق اللّه وحفظه ، ولو قاربت لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ، أي ضعف ما يعذب به في الدارين بمثل هذا الفعل غيرك ، لأن خطأ الخطير أخطر ، وقد أعاذه اللّه من الركون إلى أعدائه بذرة من قلبه . ومما يعزى للحريرى مما يؤيد ذلك قوله : أنحويّ هذا العصر ما هي لفظة * جرت في لساني جرهم وثمود إذا استعملت في صورة الجحد أثبتت * وإن أثبتت قامت مقام جحود وفسر الأول وهو النفي المثبت بنحو فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ « 3 » والثاني وهو الثبوت المنفى بنحو قوله تعالى : لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ قالوا : وهو - صلى اللّه عليه وسلم - ثبت قلبه ولم يركن . وأما قوله تعالى : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ( 44 ) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ
--> ( 1 ) في « الشفاء » له ( 2 / 159 ) . ( 2 ) سورة الإسراء : 74 ، 75 . ( 3 ) سورة البقرة : 71 .