الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
606
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
هزم اللّه المشركين يوم بدر ، وقتل منهم سبعون وأسر سبعون ، استشار النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - أبا بكر وعمر وعليّا ، فقال أبو بكر : يا نبي اللّه ، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان ، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية ، فيكون ما أخذناه منهم قوة لنا على الكفار وعسى أن يهداهم اللّه فيكونوا لنا عضدا . فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « ما ترى يا ابن الخطاب ؟ » قال : قلت واللّه ما أرى ما رأى أبو بكر ، ولكني أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه ، وتمكن عليّا من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه يعلم اللّه أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين ، فهوى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت ، فأخذ منهم الفداء ، فلما كان من الغد غدوت إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فإذا هو قاعد وأبو بكر الصديق وهما يبكيان فقلت يا رسول اللّه أخبرني ما ذا يبكيك أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت ، فقال النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - : « أبكى للذي عرض على أصحابك من الفداء ، لقد عرض على عذابكم أدنى من هذه الشجرة ، لشجرة قريبة فأنزل اللّه تعالى : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى إلى قوله : عَظِيمٌ « 1 » » . وقوله : حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ « 2 » : أي يكثر القتل ويبالغ فيه حتى يذل الكفر ويقل حزبه ، ويعز الإسلام ويستولى أهله . وليس في هذا إلزام ذنب للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - ، بل فيه بيان ما خص به وفضّل من بين سائر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فكأنه قال : ما كان هذا لنبي غيرك . قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « أحلت لي الغنائم ولم تحل لنبي قبلي » « 3 » . وأما قوله : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا « 4 » فقيل المراد بالخطاب من أراد ذلك منهم وتجرد غرضه لعرض الدنيا وحده ، والاستكثار منها ، وليس المراد بهذا النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - ولا علية أصحابه .
--> ( 1 ) سورة الأنفال : 67 ، 68 . ( 2 ) سورة الأنفال : 67 . ( 3 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 1763 ) في الجهاد والسير ، باب : الإمداد بالملائكة في غزوة بدر ، من حديث عمر - رضى اللّه عنه - . ( 4 ) سورة الأنفال : 67 .