الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

604

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

كان يسمع مخاطبة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - لأولئك الكفار ، وكان يعرف بواسطة استماع تلك الكلمات شدة اهتمامه - صلى اللّه عليه وسلم - بشأنهم ، فكان إقدامه على قطع كلامه - صلى اللّه عليه وسلم - إيذاء له - صلى اللّه عليه وسلم - وذلك معصية عظيمة . فثبت أن فعل ابن أم مكتوم كان ذنبا ومعصية ، وأن الذي فعله رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - كان هو الواجب المتعين . وقد كان - صلى اللّه عليه وسلم - مأذونا له في تأديب أصحابه ، ولكن ابن أم مكتوم بسبب عماه استحق مزيد الرفق به . وأما قوله تعالى : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ « 1 » الآية . فروى ابن أبي حاتم عن مسعر عن عون قال : هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا ؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة ، وكذا قال مورق العجلي وغيره . وقال قتادة : عاتبه اللّه كما تسمعون ثم أنزل التي في سورة النور ، فرخص له في أن يأذن لهم إن شاء فقال : فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ « 2 » ففوض الأمر إلى رأيه - صلى اللّه عليه وسلم - . وقال عمرو بن ميمون : اثنتان فعلهما الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - لم يؤمر فيهما بشيء : إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من الأسرى ، فعاتبه اللّه كما تسمعون . وأما قول بعضهم إن هذه الآية تدل على أنه وقع من الرسول ذنب لأنه تعالى قال : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ « 3 » والعفو يستدعى سالفة ذنب ، وقوله الآخر : لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ « 4 » استفهام بمعنى الإنكار ، فاعلم : أنا لا نسلم أن قوله تعالى : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ « 5 » يوجب ذنبا ، ولم لا يقال إن ذلك يدل على مبالغة اللّه تعالى في توقيره وتعظيمه ، كما يقول الرجل لغيره إذا كان عظيما عنده : عفا اللّه عنك ، ما صنعت في أمرى ورضى اللّه عنك ما جوابك عن كلامي ، وعافاك اللّه ألا عرفت حقي ، فلا يكون غرضه من هذا الكلام إلا

--> ( 1 ) سورة التوبة : 43 . ( 2 ) سورة النور : 62 . ( 3 ) سورة التوبة : 43 . ( 4 ) سورة التوبة : 43 . ( 5 ) سورة التوبة : 43 .