الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
599
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وقيل : المراد دم على التقوى . فإنه يصح أن يقال للجالس : اجلس هاهنا إلى أن آتيك ، وللساكت : قد أصبت فاسكت تسلم ، أي دم على ما أنت عليه . وقيل : الخطاب مع النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - والمراد أمته ، ويدل عليه قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً « 1 » ، ولم يقل بما تعمل . وأما قوله تعالى : فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ « 2 » . فاعلم أنه تعالى لما ذكر ما عليه الكفار في أمره - صلى اللّه عليه وسلم - ، ونسبته إلى ما نسبوه إليه ، مع ما أنعم اللّه به عليه من الكمال في أمر الدين والخلق العظيم ، أتبعه بما يقوى قلبه ويدعوه إلى التشديد مع قومه ، وقوى قلبه بذلك مع قلة العدد وكثرة الكفار ، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل فقال : فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ « 3 » والمراد رؤساء الكفار من أهل مكة ، وذلك أنهم دعوه إلى دينهم ، فنهاه اللّه أن يطيعهم ، وهذا من اللّه تهييج للتشديد في مخالفتهم . وأما قوله : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ « 4 » ، الآية فاعلم أن المفسرين اختلفوا فيمن المخاطب بهذا : فقال قوم المخاطب به النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - ، وقال آخرون : المخاطب به غيره . فأما من قال بالأول فاختلفوا على وجوه : الأول : أن الخطاب مع النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - في الظاهر والمراد غيره ، كقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ « 5 » وكقوله : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ « 6 » ، وكقوله لعيسى ابن مريم - عليهما السلام - : أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ « 7 » ومثل هذا معتاد ، فإن السلطان إذا كان
--> ( 1 ) سورة الأحزاب : 2 . ( 2 ) سورة القلم : 8 . ( 3 ) سورة القلم : 8 . ( 4 ) سورة يونس : 94 . ( 5 ) سورة الطلاق : 1 . ( 6 ) سورة الزمر : 65 . ( 7 ) سورة المائدة : 116 .