الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

588

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ « 1 » الآية . وإن حرمته ميتا كحرمته حيّا ، فاستكان لها أبو جعفر . ومن الأدب أن لا يجعل دعاؤه كدعاء بعضنا بعضا ، قال تعالى : لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً « 2 » وفيه قولان للمفسرين : أحدهما : أنكم لا تدعونه باسمه كما يدعو بعضكم بعضا ، بل قولوا : يا رسول اللّه ، يا نبي اللّه ، مع التوقير والتواضع ، فعلى هذا : المصدر مضاف إلى المفعول ، أي دعاؤكم الرسول . والثاني : إن المعنى ، لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضا ، إن شاء أجاب وإن شاء ترك ، بل إذا دعاكم لم يكن لكم بد من إجابته ، ولم يسعكم التخلف عنها البتة ، فإن المبادرة إلى إجابته واجبة ، والمراجعة بغير إذنه محرمة ، فعلى هذا : المصدر مضاف إلى الفاعل ، أي دعاءه إياكم ، وقد تقدم في الخصائص من المقصد الرابع عن مذهب الشافعي أن الصلاة لا تبطل بإجابته - صلى اللّه عليه وسلم - . ومن الأدب معه - صلى اللّه عليه وسلم - أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع من خطبة أو جهاد ، أو رباط ، لم يذهب أحد مذهبا في حاجة له حتى يستأذنه ، كما قال تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ « 3 » . فإذا كان هذا مذهبا مقيدا لحاجة عارضة لم يوسع لهم فيه إلا بإذنه ، فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين ، أصوله وفروعه ، دقيقه وجليله ، هل يشرع الذهاب إليه بدون استئذانه ؟ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ « 4 » . ومن الأدب معه - صلى اللّه عليه وسلم - أنه لا يستشكل قوله ، بل تستشكل الآراء

--> ( 1 ) سورة الحجرات : 4 . ( 2 ) سورة النور : 63 . ( 3 ) سورة النور : 62 . ( 4 ) سورة النحل : 43 .