الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
586
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
النفس ، فبين تعالى أنه لا يكمل إيمانه إلا بعد أن لا يلتفت إلى ذلك الحرج ويسلم إلى النص تسليما كليّا ، قاله الإمام فخر الدين . وجوز غيره تخصيص الكتاب والسنة بالقياس ، وبه صرح العلامة التاج بن السبكي في جمع الجوامع . النوع الثامن فيما يتضمن الأدب معه ص قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ « 1 » . فمن الأدب أن لا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهى ، ولا إذن ولا تصرف حتى يأمر هو وينهى ويأذن كما أمر اللّه تعالى بذلك في هذه الآية ، وهذا باق إلى يوم القيامة لم ينسخ . فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته كالتقدم بين يديه في حياته ، لا فرق بينهما عند كل ذي عقل سليم . قال مجاهد : لا تفتاتوا على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بشيء ، حتى يقضيه اللّه تعالى على لسانه . وقال الضحاك : لا تقضوا أمرا دون رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - . وقال غيره : لا تأمروا حتى يأمر ، ولا تنهوا حتى ينهى . وانظر أدب الصديق - رضى اللّه عنه - معه - صلى اللّه عليه وسلم - في الصلاة ، إذ تقدم بين يديه كيف تأخر وقال : ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ، كيف أورثه مقامه والإمامة بعده ، فكان ذلك التأخر إلى خلفه ، وقد أومأ إليه أن أثبت مكانك ، سعيا إلى قدام بكل خطوة إلى وراء مراحل إلى قدام تنقطع فيها أعناق المطى . ومن الأدب معه - صلى اللّه عليه وسلم - أن لا ترفع الأصوات فوق صوته ، كما قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ « 2 » . قال الرازي : أفاد أنه ينبغي أن لا يتكلم المؤمن عنده - صلى اللّه عليه وسلم - كما يتكلم العبد عند سيده ، لأن العبد أدخل في قوله
--> ( 1 ) سورة الحجرات : 1 . ( 2 ) سورة الحجرات : 2 .