الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
547
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
النوع الرابع في التنويه به ص في الكتب السالفة كالتوراة والإنجيل بأنه صاحب الرسالة والتبجيل قال اللّه تعالى : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ « 1 » . وهذا يدل على أنه لو لم يكن مكتوبا لكان ذكر هذا الكلام من أعظم المنفرات لليهود والنصارى عن قبول قوله ، لأن الإصرار على الكذب والبهتان من أعظم المنفرات ، والعاقل لا يسعى فيما يوجب نقصان حاله ، وينفر الناس عن قبول مقاله ، فلما قال لهم - صلى اللّه عليه وسلم - هذا دل على أن ذلك النعت كان مذكورا في التوراة والإنجيل . وذلك من أعظم الدلائل على صحة نبوته . لكن أهل الكتب كما قال اللّه تعالى : وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ « 2 » و يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ « 3 » ، وإلا فهم - قاتلهم اللّه - قد عرفوا محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - كما عرفوا أبناءهم ، ووجدوه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ، لكنهم حرفوهما وبدلوهما ليطفئوا نور اللّه بأفواههم ، ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون . فدلائل نبوة نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - في كتابيهما - بعد تحريفهما - طافحة ، وأعلام شريعته ورسالته فيهما لائحة ، وكيف يغنى عنهم إنكارهم ، وهذا اسم النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - بالسريانية « مشفح » ، فمشفح ، محمد بغير شك ، واعتباره أنهم يقولن « شفحا لاها » إذا أرادوا أن يقولوا : الحمد للّه ، وإذا كان الحمد ، شفحا ، فمشفح : محمد ، ولأن الصفات التي أقروا بها هي وفاق لأحواله وزمانه ، ومخرجه ومبعثه وشريعته - صلى اللّه عليه وسلم - ، فليدلونا على من هذه الصفات له ، ومن خرجت له الأمم من بين يديه ، وانقادت له واستجابت لدعوته . ومن صاحب الجمل الذي هلكت بابل وأصنامها به ؟
--> ( 1 ) سورة الأعراف : 157 . ( 2 ) سورة البقرة : 146 . ( 3 ) سورة المائدة : 13 .