الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
541
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
الناس بابن مريم ليس بيني وبينه نبي » « 1 » وهذا فيه رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبي يقال له : خالد بن سنان ، كما حكاه القضاعي وغيره . والمقصود : أن اللّه بعث محمدا على فترة من الرسل وطموس من السبل وتغير الأديان ، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان ، فكانت النعمة به أتم والنفع به أعم . وفي حديث عند الإمام أحمد مرفوعا : « إن اللّه نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عجمهم وعربهم إلا بقايا من بني إسرائيل » « 2 » وفي لفظ مسلم « من أهل الكتاب » . فكان الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم ، حتى بعث اللّه محمدا فهدى به الخلائق ، وأخرجهم اللّه به من الظلمات إلى النور ، وتركهم على المحجة البيضاء ، والشريعة الغراء ، - صلوات اللّه وسلامه عليه - . وقال تعالى : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ « 3 » . أي : عزيز عليه عنتكم ، أي إثمكم بالشرك والمعاصي ، حريص عليكم أن تهتدوا . قال الحسن : عزيز عليه أن تدخلوا النار ، حريص عليكم أن تدخلوا الجنة ، ومن حرصه - صلى اللّه عليه وسلم - علينا أنه لم يخاطبنا بما يريد إبلاغه إلينا ، وفهمنا إياه على قدر منزلته ، بل على قدر منزلتنا ، وإلى هذا أشار صاحب البردة بقوله : لم يمتحنا بما تعيى العقول به * حرصا علينا فلم نرتب ولم نهم أي لم نتحير ولم نشك فيما ألقاه إلينا . وقال : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ « 4 » ولا رحمة مع التكليف بما لا يفهم . ومن حرصه - صلى اللّه عليه وسلم - على هدايتنا أنه كان كثيرا ما يضرب المثل بالمحسوس ليحصل الفهم ، وهذه سنة
--> ( 1 ) صحيح : وقد تقدم . ( 2 ) صحيح : أخرجه أحمد في « المسند » ( 4 / 162 ) ، وهو عند مسلم ( 2865 ) في الجنة ، باب : الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ، من حديث عياض بن حمار المجاشعي . ( 3 ) سورة التوبة : 128 . ( 4 ) سورة الأنبياء : 107 .