الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
534
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
والمراد بالأميين : العرب ، تنبيها لهم على قدر هذه النعمة وعظمها حيث كانوا أميين ، لا كتاب لهم ، وليس عندهم شيء من آثار النبوة ، كما عند أهل الكتاب ، فمنّ اللّه تعالى عليهم بهذا الرسول وبهذا الكتاب ، حتى صاروا أفضل الأمم وأعلمهم ، وعرفوا ضلالة من ضل قبلهم من الأمم . وفي كونه - صلى اللّه عليه وسلم - منهم فائدتان : إحداهما : أن هذا الرسول كان أيضا أميّا كأميّة المبعوث إليهم ، لم يقرأ كتابا قط ولم يخطه بيمينه ، كما قال تعالى : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ « 1 » ، ولا خرج عن ديار قومه فأقام عند غيرهم حتى تعلم منهم ، بل لم يزل أميّا بين أمة أمية لا يكتب ولا يقرأ حتى بلغ الأربعين من عمره ، ثم جاء بعد ذلك بهذا الكتاب المبين ، وهذه الشريعة الباهرة ، وهذا الدين القيم الذي اعترف حذاق أهل الأرض ونظارها أنه لم يقرع العالم ناموس أعظم منه ، وفي هذا برهان عظيم على صدقه - صلى اللّه عليه وسلم - . والفائدة الثانية : التنبيه على أن المبعوث منهم وهم الأميون ، وخصوصا أهل مكة ، يعرفون نسبه وشرفه وصدقه وأمانته وعفته ، وأنه نشأ بينهم معروفا بذلك ، وأنه لم يكذب قط ، فكيف كان يدع الكذب على الناس ثم يفترى الكذب على اللّه عز وجل ؟ هذا هو الباطل . ولذلك سأل هرقل عن هذه الأوصاف واستدل بها على صدقه فيما ادعاه من النبوة والرسالة . وقد قال اللّه تعالى خطابا له : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ « 2 » . ويروى أن رجلا قال : واللّه يا محمد ما كذبتنا قط فنتهمك اليوم ولكنا إن نتبعك نتخطف من أرضنا ، فنزلت هذه الآية . رواه أبو صالح عن ابن عباس . وعن مقاتل : كان الحارث بن عامر يكذب النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - في العلانية ، فإذا خلا مع أهل بيته قال : ما محمد من أهل الكذب . ويروى أن المشركين كانوا إذا رأوه - صلى اللّه عليه وسلم - قالوا : إنه لنبي . وعن علي : قال أبو جهل للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - : إنا لا
--> ( 1 ) سورة العنكبوت : 48 . ( 2 ) سورة الأنعام : 33 .