الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

524

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وتأمل قوله : إِنَّا أَعْطَيْناكَ « 1 » كيف ذكر بلفظ الماضي ، ولم يقل : سنعطيك ، ليدل على أن هذا الإعطاء حصل في الزمان الماضي ، قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « كنت نبيّا وآدم بين الروح والجسد » « 2 » ولا شك أن من كان في الزمان الماضي عزيزا مرعى الجانب أشرف ممن سيصير كذلك ، كأنه تعالى يقول : يا محمد قد هيأنا أسباب سعادتك قبل دخولك في هذا الوجود ، فكيف أمرك بعد وجودك واشتغالك بعبوديتنا يا أيها العبد الكريم ، إنا لم نعطك هذا الفضل العميم لأجل طاعتك ، وإنما اخترناك بمجرد فضلنا وإحساسنا من غير موجب . واختلف المفسرون في تفسير ( الكوثر ) على وجوه : منها : أنه نهر في الجنة ، وهذا هو المشهور والمستفيض عند السلف والخلف ، فروى أنس أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : ( بينا أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف ، قلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا الكوثر الذي أعطاك ربك ، فإذا طينه مسك أذفر ) « 3 » رواه البخاري . وقيل : الكوثر أولاده ، لأن هذه السورة إنما نزلت ردّا على من عابه - صلى اللّه عليه وسلم - بعدم الأولاد ، وعلى هذا فالمعنى : أنه يعطيه نسلا يبقون على ممر الزمان . فانظر كم قتل من أهل البيت ، ثم العالم ممتلئ منهم ، ولم يتفق ذلك لنبي من الأنبياء غيره . وقيل : الكوثر الخير الكثير . وقيل : النبوة ، وهي الخير الكثير . وقيل : علماء أمته ، وقيل الإسلام ، ولا ريب أنهما من الخير الكثير ، فالعلماء ورثة الأنبياء « 4 » ، كما رواه أحمد وأبو داود والترمذي ، وأما « علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل » « 5 » فقال الحافظ ابن حجر ، ومن قبله

--> ( 1 ) سورة الكوثر : 1 . ( 2 ) صحيح : وقد تقدم . ( 3 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 6581 ) في الرقاق ، باب : في الحوض . ( 4 ) صحيح : أخرجه أبو داود ( 3641 ) في العلم ، باب : الحث على طلب العلم ، والدارمي في « سننه » ( 342 ) ، من حديث أبي الدرداء - رضى اللّه عنه - ، والحديث صححه الشيخ الألبانى في « صحيح الجامع » ( 6297 ) . ( 5 ) لا أصل له : انظر « كشف الخفاء » للعجلوني ( 1744 ) .