الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

504

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وتعقبه ابن المنير فقال : هذا ذكره طوائف من الأصوليين والشراح وغيرهم ، وهو مشكل على من أثبت النسخ قبل الفعل كالأشاعرة ، أو منعه كالمعتزلة . لكونهم اتفقوا جميعا على أن النسخ لا يتصور قبل البلاغ . وحديث الإسراء وقع فيه النسخ قبل البلاغ ، فهو مشكل عليهم جميعا . اه . فإن أراد قبل البلاغ لكل أحد فممنوع ، وإن أراد قبل البلاغ إلى بعض الأمة فمسلّم ، لكن قد يقال : ليس هو بالنسبة إليهم نسخا ، لكن هو نسخ بالنسبة إلى النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - لأنه كلف بذلك قطعا ، ثم نسخ بعد أن بلغه وقبل أن يفعله ، فالمسألة صحيحة التصوير في حقه - صلى اللّه عليه وسلم - . ولما رجع - صلى اللّه عليه وسلم - من سفر الإسراء ، مر في طريقه بعير لقريش تحمل طعاما ، فيها جمل يحمل غرارتين : غرارة سوداء وغرارة بيضاء ، فلما حاذى العير نفرت منه واستدارت وانصرع ذلك البعير . وفي رواية : مر بعير قد أضلوا بعيرا لهم قد جمعه فلان . قال - صلى اللّه عليه وسلم - : فسلمت عليهم فقال بعضهم : هذا صوت محمد . ثم أتى مكة قبل الصبح وأخبر قومه بما رأى ، وقال لهم : إن من آية ما أقول لكم أنى مررت بعيركم في مكان كذا وكذا ، وقد أضلوا بعيرا لهم قد جمعه فلان ، وأن مسيرهم ينزلون بمكان كذا وكذا ، ويأتونكم يوم كذا وكذا يقدمهم جمل آدم عليه مسح أسود وغرارتان ، فلما كان ذلك اليوم أشرف الناس ينظرون حتى إذا كان قريب من نصف النهار أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه - صلى اللّه عليه وسلم - . وفي رواية البيهقي : سألوه آية ، أخبرهم بقدوم العير يوم الأربعاء ، فلما كان ذلك اليوم لم يقدموا حتى كادت الشمس أن تغرب ، فدعا اللّه تعالى فحبس الشمس حتى قدموا كما وصف . وعن عائشة : لما أسرى بالنبي - صلى اللّه عليه وسلم - إلى المسجد الأقصى أصبح يحدث الناس بذلك ، فارتد ناس كانوا آمنوا ، وسعى رجال من المشركين إلى أبى بكر فقالوا : هل لك إلى صاحبك ، يزعم أنه أسرى به الليلة إلى بيت المقدس ، قال : وقد قال ذلك ؟ قالوا : نعم ، قال : لئن قال ذلك لقد صدق ، قالوا : تصدقه أنه ذهب إلى بيت المقدس وجاء قبل