الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

502

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وقد وقع من موسى - عليه السّلام - من العناية بهذه الأمة في أمر الصلاة ما لم يقع لغيره ، ووقعت الإشارة لذلك في حديث أبي هريرة عند الطبراني والبزار ، قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « كان موسى أشدهم على حين مررت ، وخيرهم لي حين رجعت » . وفي حديث أبي سعيد : فأقبلت راجعا فمررت بموسى ، ونعم الصاحب كان لكم ، فسألني كم فرض عليك ربك ؟ الحديث . قال السهيلي : وأما اعتناء موسى - عليه السّلام - بهذه الأمة ، وإلحاحه على نبيها أن يشفع لها ويسأل التخفيف عنها ، فكقوله - واللّه أعلم - حين قضى إليه الأمر بجانب الغربى ، ورأى صفات أمة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - في الألواح ، وجعل يقول : إني أجد في الألواح أمة صفتهم كذا ، اللهم اجعلهم أمتي ، فيقال له : تلك أمة أحمد ، وهو حديث مشهور وقد تقدم ذكره في خصائص هذه الأمة . قال : فكان إشفاقه عليهم واعتناؤه بأمرهم كما يعتنى بالقوم من هو منهم لقوله اللهم اجعلني منهم انتهى . وقال القرطبي : الحكمة في أمر موسى بمراجعة النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - في أمر الصلوات يحتمل أن تكون لكون أمة موسى - عليه السّلام - كلفت من الصلوات ما لم يكلف به غيرها من الأمم قبلها ، فثقلت عليهم ، فأشفق موسى على أمة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - مثل ذلك ، ويشير إليه قوله : إني جربت الناس قبلك . انتهى . ووقع في كلام بعض أهل الإشارات : لما تمكنت نار المحبة من قلب موسى أضاءت له أنوار نور الطور ، فأسرع إليها ليقتبس فاحتبس ، فلما نودي من النادي ، اشتاق إلى المنادى ، فكان يطوف في بني إسرائيل : من يحملني رسالة إلى ربى ، ومراده أن تطول المناجاة مع الحبيب ، فلما مر علينا نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - ليلة المعراج ، ردده في أمر الصلوات ليسعد برؤية حبيب الحبيب . وقال آخر : لما سأل موسى - عليه السّلام - الرؤية ، ولم تحصل له البغية ، بقي الشوق يقلقه ، والأمل يعلله ، فلما تحقق أن سيدنا محمدا الحبيب منح الرؤية ، وفتح له باب المزية ، أكثر السؤال ليسعد برؤية من قد رأى . كما قيل :