الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
495
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الدار الآخرة . وقال آخرون من المعتزلة ، بمقتضى ما فهموا من هذه الآية : أنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة ، فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك ، مع ما ارتكبوه من الجهل بما دل عليه كتاب اللّه وسنة رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - . أما الكتاب : فقوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ « 1 » وقوله : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ « 2 » قال الإمام الشافعي - رحمه اللّه - : فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجبون عنه تبارك وتعالى . وأما السنة : فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد ، وأبي هريرة ، وأنس وجرير ، وصهيب ، وبلال ، وغير واحد من الصحابة عن النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - : أن المؤمنين يرون اللّه تبارك وتعالى في الدار الآخرة في العرصات ، وفي روضات الجنات ، جعلنا اللّه منهم . وقيل : المنفى في الآية ، إدراك العقول : قال الحافظ ابن كثير : وهو غريب جدّا ، وخلاف ظاهر الآية . وقال آخرون : لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفى الإدراك ، فإن الإدراك أخص من الرؤية ، ولا يلزم من نفى الأخص انتفاء الأعم . ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفى ، ما هو ؟ فقيل : معرفة الحقيقة ، فإن هذا لا يعلمه إلا هو ، وإن رآه المؤمنون ، كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته ، فالعظيم أولى بذلك ، وله المثل الأعلى . وقال آخرون : المراد بالإدراك الإحاطة ، قالوا : ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية : كما لا يلزم من عدم الرؤية عدم العلم . وفي صحيح مسلم ( لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) « 3 » ولا يلزم من هذا عدم الثناء فكذلك هذا . وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في
--> ( 1 ) سورة القيامة : 22 ، 23 . ( 2 ) سورة المطففين : 15 . ( 3 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 486 ) في الصلاة ، باب : ما يقال في الركوع والسجود ، من حديث عائشة - رضى اللّه عنها - .