الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
485
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
يحجب ، إذ الحجب إنما تحيط بمقدر محسوس ، فالخلق كلهم محجوبون عنه تعالى بمعانى الأسماء والصفات والأفعال ، وسائر المخلوقات من معاني الأنوار والظلمات كل له مقام من الحجب معلوم ، وحظ من الإدراك والمعرفة مقسوم ، وأقرب الخلق إلى اللّه تعالى الملائكة الحافون والكروبيون ، وهم محجوبون بنور المهابة والعظمة والكبرياء والجلال والقدس والقيومية ، حجب الذات بالصفات . وهم في الحجب عنه على طبقات مختلفات ، كل على مقام معلوم ودرجات . وبالجملة ، فالمخلوقات كلها ما كانت حجابا عن الخالق ؟ فقوم حجبوا برؤية النعم عن المنعم ، وبرؤية الأحوال عن المحول ، وبرؤية الأسباب عن المسبب ، وقوم حجبوا بالعلم عن المعلم وبالفهم عن المفهم ، وبالعقل عن المعقل ، وذلك كله من معنى حجاب النعم عن المنعم ، والمواهب عن الواهب . وقوم حجبوا بالشهوات المباحة ، وقوم بالشهوات المحرمات والمعاصي والسيئات ، وقوم حجبوا بالمال والبنين وزينة الحياة الدنيا . اللهم لا تحجب قلوبنا عنك في الدنيا ولا أبصارنا عنك في الآخرة يا كريم . وقد ورد في الصحيح عن أنس قال : ( لما عرج بي جبريل إلى سدرة المنتهى . ودنا الجبار رب العزة جل جلاله فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إلى عبده ما أوحى ) « 1 » الحديث . وهذا الدنو والتدلي المذكور في هذا الحديث وغيره من أحاديث المعراج غير الدنو والتدلي المذكور في قوله تعالى في سورة النجم : ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ( 8 ) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى « 2 » . وإن اتفقا في اللفظ . فإن الصحيح أن المراد في الآية جبريل ، لأنه الموصوف بما ذكر من أول السورة إلى قوله : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ( 13 ) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى « 3 » . هكذا فسره النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - في الحديث الصحيح .
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 7517 ) في التوحيد ، باب : قوله وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً . ( 2 ) سورة النجم : 8 ، 9 . ( 3 ) سورة النجم : 13 ، 14 .