الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
393
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
يرزقون ، فلا يبعد أن يحجوا ويصلوا ، أو نقول : إن البرزخ ينسحب عليه حكم الدنيا في استكثارهم من الأعمال وزيادة الأجور ، وأن المنقطع في الآخرة إنما هو التكليف ، وقد تحصل الأعمال من غير تكليف على سبيل التلذذ بها ، ولهذا ورد أنهم يسبحون ويقرءون القرآن ، ومن هذا سجود النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - وقت الشفاعة . وقد قال صاحب « التلخيص » : إن ماله - صلى اللّه عليه وسلم - بعد موته قائم على نفقته وملكه ، وعده من خصائصه . ونقل إمام الحرمين عنه أن ما خلفه بقي على ما كان في حياته ، فكان ينفق منه أبو بكر على أهله وخدمه ، وكان يرى أنه باق على ملك النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - . فإن الأنبياء أحياء ، وهذا يقتضى إثبات الحياة في أحكام الدنيا ، وذلك زائد على حياة الشهيد . والذي صرح به النووي : زوال ملكه - صلى اللّه عليه وسلم - وأن ما تركه صدقة على جميع المسلمين لا يختص به ورثته . فإن قلت : القرآن ناطق بموته - صلى اللّه عليه وسلم - ، قال اللّه تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ « 1 » وقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « إني امرؤ مقبوض » « 2 » وقال الصديق : فإن محمدا قد مات ، وأجمع المسلمون على إطلاق ذلك . فأجاب الشيخ تقى الدين السبكي ، بأن ذلك الموت غير مستمر ، وأنه - صلى اللّه عليه وسلم - أحيى بعد الموت ، ويكون انتقال الملك ونحوه مشروطا بالموت المستمر ، وإلا فالحياة الثانية حياة أخروية ، ولا شك أنها أعلى وأكمل من حياة الشهداء ، وهي ثابتة للروح بلا إشكال ، وقد ثبت أن أجساد الأنبياء لا تبلى ، وعود الروح إلى الجسد ثابت في الصحيح لسائر الموتى فضلا عن الشهداء ، فضلا عن الأنبياء ، وإنما النظر في استمرارها في البدن ، وفي أن البدن يصير حيّا كحالته في الدنيا ، أو حيّا بدونها ، وهي حيث شاء اللّه تعالى ، فإن ملازمة الروح للحياة أمر عادى لا عقلي ، فهذا مما يجوزه العقل ، فإن صح به سمع اتبع ، وقد ذكره جماعة من العلماء .
--> ( 1 ) سورة الزمر : 30 . ( 2 ) إسناده ضعيف : ذكره الهيثمي في « المجمع » ( 4 / 223 ) عن ابن مسعود وقال : رواه أبو يعلى والبزار وفي إسناده من لم أعرفه .