الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
370
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
رابعها : المراد أنه في المرآة التي كانت له إن أمكنه ذلك ، قال شيخ مشايخنا الحافظ ابن حجر : وهذا من أبعد المحامل . خامسها : أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية ، لا مطلق من رآه حينئذ ممن لم يره في المنام . والصواب كما قدمناه في رؤيته - صلى اللّه عليه وسلم - التعميم ، على أي حالة رآه الرائي بشرط أن يكون على صورته الحقيقية في وقت ما ، سواء كان في شبابه أو رجوليته أو كهوليته ، أو آخر عمره ، وقد يكون لما خالف ذلك تعبير يتعلق بالرائى ، كما قال بعض علماء التعبير : إن من رآه شيخا فهو غاية سلم ، ومن رآه شابّا فهو غاية حرب . وقال أبو سعيد أحمد بن محمد بن نصر : من رأى نبيّا على حاله وهيئته فذلك دليل على صلاح الرائي وكمال جاهه وظفره بمن عاداه ، ومن رآه متغير الحال عابسا مثلا فذلك دال على سوء حال الرائي . وقال العارف ابن أبي جمرة : من رآه في صورة حسنة فذاك حسن في دين الرائي ، وإن كان في جارحة من جوارحه شين أو نقص فذلك خلل في الرائي من جهة الدين . قال : وهذا هو الحق . وقد جرب ذلك فوجد على هذا الأسلوب ، وبه تحصل الفائدة الكبرى في رؤياه حتى يتبين للرائي هل عنده خلل أو لا ؟ لأنه - صلى اللّه عليه وسلم - نوراني مثل المرآة الصقيلة ، ما كان في الناظر إليها من حسن أو غيره تصور فيها ، وفي ذاتها على أحسن حال لا نقص فيها ، كذلك يقال في كلامه - صلى اللّه عليه وسلم - في النوم : أنه يعرض على سنته ، فما وافقها فهو حق ، وما خالفها فالخلل في سمع الرائي ، فرؤيا الذات الكريمة حق ، والخلل إنما هو في سمع الرائي له أو بصره ، قال : وهذا غير ما سمعته في ذلك ، انتهى . وقال بعضهم : ليست رؤيته - صلى اللّه عليه وسلم - رؤيا عين ، إنما يرى بالبصائر ، وذلك لا يستدعى حصر المرئى بل يرى من المشرق إلى المغرب ومن الأرض إلى العرش ، كما ترى الصورة في المرآة المحاذية لها ، وليست الصورة منتقلة إلى جرم المرآة ، وعين الناظر مقابلة جميع الكائنات كالمرآة .