الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

365

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وقد استشكل اختصاص فاطمة بذلك ، مع أن الغيرة على النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - أقرب إلى خشية الافتتان في الدين ، ومع ذلك فكان - صلى اللّه عليه وسلم - يستكثر من الزوجات ، وتوجد منهن الغيرة ، ومع ذلك ما راعى - صلى اللّه عليه وسلم - ذلك في حقهن ، كما راعاه في حق فاطمة ؟ وأجيب : بأن فاطمة كانت إذ ذاك فاقدة من تركن إليه ممن يؤنسها ويزيل وحشتها من أم أو أخت ، بخلاف أمهات المؤمنين ، فإن كل واحدة منهن كانت ترجع إلى من يحصل لها معه ذلك ، وزيادة عليه وهو زوجهن - صلى اللّه عليه وسلم - لما كان عنده من الملاطفة وتطييب القلوب وجبر الخواطر ، بحيث إن كل واحدة منهن ترضى منه لحسن خلقه وجميل خلقه جميع ما يصدر منه ، بحيث لو وجد ما يخشى وجوده من الغيرة لزال عن قرب . ومنها « 1 » : أنه لا يجتهد في محراب صلى إليه يمنة ولا يسرة ، وأفتى شيخ الإسلام أبو زرعة ابن العراقي في شخص امتنع من الصلاة إلى محراب النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - وقال : أنا أجتهد وأصلى ، بأنه إن فعل ذلك مع الاعتراف بأنه على ما كان في زمن النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - فهو ردة ، وإن ذكر تأويلا بأن قال : ليس هو الآن على ما كان عليه في زمنه - صلى اللّه عليه وسلم - بل غير عما كان عليه ، فهذا سبب اجتهادي ، لم يحكم بردته ، وإن لم يكن هذا التأويل صحيحا . ومنها : أن من رآه في المنام فقد رآه حقّا فإن الشيطان لا يتمثل به . وفي رواية مسلم « من رآني في المنام فسيرانى في اليقظة أو لكأنما رآني في اليقظة ، لا يتمثل الشيطان بي » « 2 » . قال الحافظ ابن حجر : ووقع عند الإسماعيلي : « فقد رآني في اليقظة » بدل قوله « فسيرانى » ومثله عند ابن ماجة وصححه الترمذي من حديث ابن مسعود « 3 » . وفي رواية أبى قتادة - عند مسلم أيضا -

--> ( 1 ) ومنها هنا عائدة على خصائصه - صلى اللّه عليه وسلم - التي هي موضوع هذا الباب . ( 2 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 6993 ) في التعبير ، باب : من رأى النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - في المنام ، ومسلم ( 2266 ) في الرؤيا ، باب : قول النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - : « من رآني في المنام فقد رآني » ، من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه - . ( 3 ) صحيح : أخرجه الترمذي ( 2276 ) في الرؤيا ، باب : ما جاء في قول النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - : « من رآني في المنام فقد رآني » ، وابن ماجة ( 3900 ) في تعبير الرؤيا ، باب : رؤية النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - في المنام ، والحديث صححه الشيخ الألبانى في « صحيح سنن الترمذي » .