الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
356
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وعبارة النسفي : ثم إنهم قالوا هذه الآية تدل على أحكام : أولها : أن قوله : لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً « 1 » يتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة . لكنا أجمعنا على أنه - صلى اللّه عليه وسلم - لم يكن رسولا إلى الملائكة ، بل يكون رسولا إلى الجن والإنس جميعا . وهو عبارة الإمام فخر الدين أيضا . وقد تعقب الجلال المحلى العلامة كمال الدين بن أبي شريف فقال : اعلم أن البيهقي نقل ذلك عن الحليمي ، فإنه قال : هذا معنى كلام الحليمي ، وفي قوله هذا إشعار التبري من عهدته ، وبتقدير أن لا إشعار فيه فلم يصرح بأنه مرضى عنده . وأما الحليمي فإنه وإن كان من أهل السنة فقد وافق المعتزلة في تفضيل الملائكة على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ، وما نقله عنه موافق لقوله بأفضلية الملائكة ، فلعله بناه عليه . وأما ما ذكره من حكاية الرازي والنسفي الإجماع على أنه - صلى اللّه عليه وسلم - لم يكن مرسلا إليهم ، فقد وقع في نسخ من تفسير الرازي « لكنا بيّنا » بدل « أجمعنا » ، على أن قوله : « أجمعنا » ليس صريحا في إجماع الأمة ، لأن مثل هذه العبارة تستعمل لإجماع الخصمين المتناظرين ، بل لو صرح به لمنع ، فقد قال الإمام السبكي في قوله : لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً قال المفسرون كلهم في تفسيرها للجن والإنس ، وقال بعضهم وللملائكة ، انتهى . وبالجملة : فالاعتماد على تفسير الرازي والنسفي في حكاية إجماع انفردا بحكايته أمر لا ينتهض حجة على طريقة علماء النقل ، لأن مدارك نقل الإجماع من كلام الأئمة وحفاظ الأمة كابن المنذر وابن عبد البر ، ومن فوقهما في الاطلاع كالأئمة أصحاب المذاهب المتبوعة ومن يلحق بهم في سعة دائرة الاطلاع والحفظ والإتقان لها من الشهرة عند علماء النقل ما يغنى عن بسط الكلام فيها . واللائق بهذه المسألة التوقف عن الخوض فيها على وجه يتضمن دعوى القطع في شيء من الجانبين ، انتهى .
--> ( 1 ) سورة الفرقان : 1 .