الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
346
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
فإن قلت : هذه الآية تنفى الاختلاف فيه ، وحديث « أنزل القرآن على سبعة أحرف » المروى في البخاري عن عمر ، يثبته . فأجاب الجعبرى في أول شرحه للشاطبية : بأن المثبت اختلاف تغاير ، والمنفى اختلاف تناقض ، فموردهما مختلف . انتهى . فإن قلت : فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في الصحف ، وقد وعد اللّه تعالى بحفظه ، وما حفظه اللّه تعالى فلا خوف عليه ؟ فالجواب : - كما قال الرازي - إن جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ اللّه تعالى إياه ، فإنه تعالى لما أراد حفظه قيضهم لذلك ، قال : وقال أصحابنا : وفي هذه الآية دلالة قوية على أن البسملة آية من أول كل سورة ، لأن اللّه تعالى قد وعد بحفظ القرآن ، والحفظ لا معنى له إلا أن يبقى مصونا عن التغيير ، وإلا لما كان محفوظا عن الزيادة ، ولو جاز أن يظن بالصحابة أنهم زادوا لوجب أيضا أن يظن بهم النقصان . وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجة . واختلف فيه ، كيف يحفظ القرآن ؟ فقال بعضهم : حفظه بأن يجعله معجزا مباينا لكلام البشر ، يعجز الخلق عن الزيادة فيه والنقصان منه ، لأنهم لو زادوا فيه أو نقصوا منه تغير نظم القرآن ، فيظهر لكل العقلاء أن هذا ليس من القرآن . وقال آخرون : أعجز الخلق عن إبطاله وإفاده ، بل قيض جماعة يحفظونه ويدرسونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاء التكليف . وقال آخرون : المراد بالحفظ هو أن أحدا لو حاول أن يغير بحرف أو نقطة لقال له أهل الدنيا : هذا كذب ، حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له تغيير في حرف منه لقال الصبيان كلهم : أخطأت أيها الشيخ وصوابه كذا ، ولم يتفق لشئ ، من الكتب مثل هذا الكتاب ، فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف والتغيير والتحريف ، وقد صان اللّه تعالى هذا الكتاب العزيز عن جميع التحريف ، مع أن دواعي الملحدة واليهود والنصارى متوفرة على إبطاله وإفساده ، وقد انقضى الآن ثمانية وتسعون سنة وثمانمائة سنة ، وهو بحمد اللّه في زيادة من الحفظ .