الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
292
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
قال العلماء : وإنما أدخلهم عشرة عشرة - واللّه أعلم - لأنها كانت قصعة واحدة ، لا يمكن الجماعة الكثيرة أن يقدروا على التناول منها مع قلة الطعام ، فجعلهم عشرة عشرة لينالوا من الأكل ولا يزدحموا . وأما قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « أرسلك أبو طلحة ؟ » قلت : نعم ، قال : « لطعام ؟ » قلت : نعم ، فقال لمن معه : « قوموا » فظاهره : أن النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - فهم أن أبا طلحة استدعاه إلى منزله ، فلذلك قال لمن عنده قوموا ، وأول الكلام يقتضى أن أم سليم وأبا طلحة أرسلا الخبز مع أنس ؟ ! . فيجمع : بأنهما أرادا الخبز مع أنس « 1 » أن يأخذه النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - فيأكله ، فلما وصل أنس ورأى كثرة الناس حول النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - استحيا ، وظهر له أن يدعو النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - ليقوم معه وحده إلى المنزل فيحصل مقصودهم من إطعامه . ويحتمل أن يكون ذلك عن رأى من أرسله ، عهد إليه أنه إذا رأى كثرة الناس أن يستدعى النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - وحده ، خشية أن لا يكفى ذلك النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - هو ومن معه ، وقد عرفوا إيثاره - صلى اللّه عليه وسلم - ، وأنه لا يأكل وحده . ووقع في رواية يعقوب بن عبد اللّه بن أبي طلحة عن أنس - عند أبي نعيم وأصله عند مسلم - فقال لي أبو طلحة : يا أنس اذهب فقم قريبا من رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ، فإذا قام فدعه حتى يتفرق عنه أصحابه ، ثم اتبعه حتى إذا قام على عتبة بابه فقل له : إن أبى يدعوك ، وفيه : فقال أبو طلحة : يا رسول اللّه إنما أرسلت أنسا يدعوك وحدك ، ولم يكن عندنا ما يشبع من أرى ، فقال : « ادخل فإن اللّه سيبارك فيما عندك » . وفي رواية مبارك بن فضالة : فقال : هل من سمن ؟ فقال أبو طلحة : قد كان في العكة شيء فجاء بها ، فجعلا يعصرانها حتى خرج ، ثم مسح رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - القرص فانتفخ ، وقال : « بسم اللّه » فلم يزل يصنع ذلك والقرص
--> ( 1 ) زيادة من فتح الباري ( 6 / 730 ) .