الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
269
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وفي حديث جابر بن عبد اللّه : سرنا مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حتى نزلنا واديا أفيح ، فذهب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقضى حاجته ، فاتبعته بإداوة من ماء ، فنظر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فلم ير شيئا يستتر به ، فإذا شجرتان في شاطئ الوادي فانطلق رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها فقال : « انقادى على بإذن اللّه » فانقادت معه كالبعير المخشوش « 1 » الذي يصانع قائده ، ثم فعل بالأخرى كذلك ، حتى إذا كان بالمنصب بينهما قال : « التئما على بإذن اللّه فالتأمتا » « 2 » الحديث رواه مسلم . والمنصف : - بفتح الميم - الموضع الوسط بين الموضعين . والتلاؤم : الاجتماع . وللّه در الأبوصيري حيث قال : جاءت لدعوته الأشجار ساجدة * تمشى إليه على ساق بلا قدم كأنما سطرت سطرا لما كتبت * فروعها من بديع الخط في اللقم فشبه آثار مشى الشجر لما جاءت إليه - صلى اللّه عليه وسلم - بكتابة كاتب أوقعها على نسبة معلومة في أسطر منظومة . وإذا كانت الأشجار تبادر لامتثال أمره - صلى اللّه عليه وسلم - حتى تخر ساجدة بين يديه ، فنحن أولى بالمبادرة لامتثال ما دعا إليه زاده اللّه شرفا لديه . وتأمل قول الأعرابي : « ائذن لي أن أسجد لك » لما رأى من سجود الشجرة ، فرأى أنه أحرى بذلك ، حتى أعلمه - صلى اللّه عليه وسلم - أن ذلك لا يكون إلا للّه ، فحق على كل مؤمن أن يلازم السجود للحق المعبود ، ويقوم على ساق العبودية ، وإن لم يكن له قدم كما قامت الشجرة . ومن ذلك : حنين الجذع شوقا إليه « 3 » . اعلم أن « الحنين » مصدر مضاف
--> ( 1 ) البعير المخشوش : هو الذي وضع في أنفه عود خشاش من خشب لينقاد بسهولة . ( 2 ) صحيح : وهو جزء من حديث طويل أخرجه مسلم ( 3012 ) في الزهد والرقائق باب : حديث جابر الطويل . ( 3 ) صحيح : والحديث أخرجه البخاري ( 3583 ) في المناقب ، باب : علامات النبوة في الإسلام ، من حديث ابن عمر - رضى اللّه عنهما - .