الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

248

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وما لم يعلموه ، فإذا سألوا عنه عرفوا صحته وتحققوا صدقه كالذي حكاه من قصة أهل الكهف وشأن موسى والخضر - عليهما الصلاة والسلام - ، وحال ذي القرنين ، وقصص الأنبياء مع أممها ، والقرون الماضية في دهرها . * والخامس : أن وجه إعجازه هو ما فيه من علم الغيب ، والإخبار بما يكون ، فيوجد على صدقه وصحته ، مثل قوله تعالى لليهود : قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ثم قال : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ « 1 » فما تمناه أحد منهم . ومثل قوله تعالى لقريش : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا « 2 » فقطع بأنهم لا يفعلون فلم يفعلوا . وتعقب : بأن الغيوب التي اشتمل عليها القرآن وقع بعضها في زمنه - صلى اللّه عليه وسلم - ، كقوله تعالى : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً « 3 » وبعضها بعد مدة كقوله تعالى : ألم ( 1 ) غُلِبَتِ الرُّومُ « 4 » فلو كان كما قالوا لنازعوا وقع المتوقع ، وبأن الإخبار عن الغيب جاء في بعض سور القرآن واكتفى منهم بمعارضة سورة غير معينة ، فلو كان كذلك لعارضوه بقدر أقصر سورة لا غيب فيها . * السادس : أن وجه إعجازه هو كونه جامعا لعلوم كثيرة ، لم تتعاط العرب فيها الكلام ، ولا يحيط بها من علماء الأمم واحد منهم ، ولا يشتمل عليها كتاب ، بين اللّه فيه خبر الأولين والآخرين وحكم المتخلفين وثواب المطيعين وعقاب العاصين . فهذه ستة أوجه ، يصح أن يكون كل واحد منها إعجازا ، فإذا جمعها القرآن فليس اختصاص أحدها بأن يكون معجزا بأولى من غيره ، فيكون الإعجاز بجميعها . وقد قال تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ « 5 » فلم يقدر أحد أن يأتي بمثل هذا القرآن

--> ( 1 ) سورة البقرة : 94 ، 95 . ( 2 ) سورة البقرة : 24 . ( 3 ) سورة الفتح : 1 . ( 4 ) سورة الروم : 1 . ( 5 ) سورة الإسراء : 88 .