الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

246

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

ففي هذا الكلام مع قلة حروفه من السخافة ما لا خفاء به على من لا يعلم ، فضلا عمن يعلم . * والثاني : أن إعجازه هو الوصف الذي صار به خارجا عن جنس كلام العرب من النظم والنثر والخطب والشعر والرجز والسجع ، فلا يدخل في شيء منها ولا يختلط بها مع كون ألفاظه وحروفه من جنس كلامهم ، ومستعملة في نظمهم ونثرهم ، ولذلك تحيرت عقولهم ، وتدلهت « 1 » أحلامهم ، ولم يهتدوا إلى مثله في حسن كلامهم ، فلا ريب أنه في فصاحته قد قرع القلوب ببديع نظمه ، وفي بلاغته قد أصاب المعاني بصائب سهمه ، فإنه حجة اللّه الواضحة ، ومحجته اللائحة ، ودليله القاهر ، وبرهانه الباهر ، ما رام معارضته شقى إلا تهافت تهافت الفراش في الشهاب ، وذل ذل النقد حول الليوث الغضاب . وقد حكى عن غير واحد ممن عارضه أنه اعترته روعة وهيبة كفته عن ذلك ، كما حكى عن يحيى بن حكيم الغزال - بتخفيف الزاي وقد تشدد - وكان بليغ الأندلس في زمانه أنه قد رام شيئا من هذا ، فنظر في سورة الإخلاص ليحذو على مثالها ، وينسج بزعمه على منوالها ، فاعترته خشية ورقة ، حملته على التوبة والإنابة . وحكى أيضا أن ابن المقفع - وكان أفصح أهل وقته - طلب ذلك ورامه ، ونظم كلاما وجعله مفصلا ، وسماه سورا ، فاجتاز يوما بصبي يقرأ في مكتب قوله تعالى : وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ . . . « 2 » الآية ، فرجع ومحى ما عمل وقال : أشهد أن هذا لا يعارض أبدا ، وما هو من كلام البشر . وللّه در العارف سيدي محمد وفا حيث قال ، يعنى النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - والقرآن المعظم :

--> ( 1 ) دله فلان : أي حيره وأدهشه . ( 2 ) سورة هود : 44 .