الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
244
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
من عند اللّه ، وأن البشر لا قدرة لهم على تأليف مثل ذلك ، فكيف إذا جاء على يد أصدق الخلق وأبرهم وأتقاهم وقال : إنه كلام اللّه ، وتحدى الخلق كلهم أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا ، فكيف يبقى مع هذا شك . انتهى . [ وجوه إعجاز القرآن الكريم ] واعلم أن وجوه إعجاز القرآن لا تنحصر ، لكن قال بعضهم : قد اختلف العلماء في إعجازه على ستة أوجه : * أحدها : أن وجه إعجازه هو الإيجاز والبلاغة ، مثل قوله : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ « 1 » فجمع في كلمتين عدد حروفهما عشرة أحرف معاني كلام كثير . وحكى أبو عبيد : أن أعرابيّا سمع رجلا يقرأ : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ « 2 » فسجد وقال : سجدت لفصاحة هذا الكلام . وسمع آخر رجلا يقرأ : فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا « 3 » قال : أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام . وحكى الأصمعي : أنه رأى جارية خماسية أو سداسية وهي تقول : أستغفر اللّه من ذنوبي كلها ، فقلت لها : مم تستغفرين ولم يجر عليك قلم ؟ فقالت : أستغفر اللّه لذنبي كله * قتلت إنسانا بغير حله مثل غزال ناعم في دله * انتصف الليل ولم أصله فقلت لها : قاتلك اللّه ما أفصحك ، فقالت : أو تعد هذا فصاحة بعد قوله تعالى : وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ « 4 » فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين . وحكى أن عمر بن الخطاب - رضى اللّه عنه - كان يوما نائما في المسجد ، فإذا هو برجل قائم على رأسه ، يتشهد شهادة الحق ، فأعلمه أنه من بطارقة الروم ، ممن
--> ( 1 ) سورة البقرة : 179 . ( 2 ) سورة الحجر : 94 . ( 3 ) سورة يوسف : 80 . ( 4 ) سورة القصص : 7 .