الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
236
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
المتحدى على وجه المعارضة . وعبر عنه بعضهم بقوله : دعوى الرسالة مع أمن المعارضة وهو أحسن من التعبير : بعدم المعارضة ، لأنه لا يلزم من عدم المعارضة امتناعها . والشرط إنما هو عدم إمكانها . وقد خرج بقيد « التحدي » الخارق من غير تحد ، وهو الكرامة للولي . وب « المقارنة » الخارق المتقدم على التحدي ، كإظلال الغمام ، وشق الصدر ، الواقعين لنبينا - صلى اللّه عليه وسلم - قبل دعوى الرسالة ، وكلام عيسى في المهد ، وما شابه ذلك مما وقع من الخوارق قبل دعوى الرسالة ، فإنها ليست معجزات إنما هي كرامات ، ظهورها على الأولياء جائز ، والأنبياء قبل نبوتهم لا يقصرون عن درجة الأولياء فيجوز ظهورها عليهم أيضا ، وحينئذ يسمى « إرهاصا » أي تأسيسا للنبوة كما صرح به العلامة السيد الجرجاني في شرح المواقف ، وغيره ، وهو مذهب جمهور أئمة الأصول وغيرهم . وخرج أيضا بقيد « المقارنة » المتأخر عن التحدي ، بما يخرجه عن المقارنة العرفية ، نحو ما روى بعد وفاته - صلى اللّه عليه وسلم - من نطق بعض الموتى بالشهادتين وشبهه ، مما تواترت به الأخبار . وخرج أيضا ب « أمن المعارضة » السحر المقرون بالتحدى ، فإنه يمكن معارضته بالإتيان بمثله من المرسل إليهم . واختلف : هل السحر قلب الأعيان وإحالة الطبائع أم لا ؟ فقال بالأول قائلون ، حتى جوزوا للساحر أن يقلب الإنسان حمارا . وذهب آخرون : إلى أن أحدا لا يقدر على قلب عين ولا إحالة طبيعة إلا اللّه تعالى لأنبيائه ، وأن الساحر والصالح لا يقلبان عينا . قالوا : ولو جوزنا للساحر ما جاز على النبيّ فأي فرق عندكم بينهما ؟ فإن لجأتم إلى ما ذكره القاضي أبو بكر الباقلاني من الفرق بالتحدى فقط قيل لكم هذا باطل من وجوه : [ وجوه بطلان دعوى اشتراط التحدي بالمعجزة ] أحدها : أن اشتراط التحدي قول لا دليل عليه ، لا من كتاب ولا من سنة ، ولا من قول صاحب ولا إجماع ، وما تعرى من البرهان فهو باطل . الثاني : أن أكثر آياته - صلى اللّه عليه وسلم - وأعمها وأبلغها كانت بلا تحد ، كنطق الحصى ، ونبع الماء ، ونطق الجذع ، وإطعامه المئين من صاع ، وتفله في العين ،