الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

170

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

عند سعيد بن منصور أن النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - كان إذا أكل أكل بخمس . فيجمع بينه وبين ما تقدم باختلاف الحال . وقد جاءت علة اللعق مبينة - في بعض الروايات - أنه لا يدرى أحدكم في أي طعامه البركة . وفي الحديث رد على من كره لعق الأصابع استقذارا ممن ينسب للرئاسة والإمرة في الدنيا . نعم ، يحصل ذلك لو فعله أثناء الأكل لأنه يعيد أصابعه في الطعام ، وعليها أثر ريقه . قال الخطابي : عاب قوم أفسد عقلهم الترفه لعق الأصابع ، وزعموا أنه مستقبح ، كأنهم لم يعلموا أن الطعام الذي علق بالأصابع والصحفة جزء من أجزاء ما أكلوه ، وإذا لم يكن سائر أجزائه مستقذرا لم يكن الجزء اليسير منه مستقذرا ، وليس في ذلك أكثر من مصه أصابعه بباطن شفتيه ، ولا يشك عاقل أن لا بأس بذلك ، فقد يتمضمض الإنسان فيدخل أصبعه في فيه فيدلك أسنانه وباطن فمه ، ثم لم يقل أحد إن ذلك قذارة وسوء أدب ، انتهى . ولا ريب أن من استقذر ما نسب إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - سيئ الأدب ، يخشى عليه أمر عظيم ، فنسأل اللّه بوجاهة وجهه الكريم أن لا يسلك بنا غير حلاوة سبيل سنته وأن يديم لنا محبته . وقد كان - صلى اللّه عليه وسلم - لا يأكل متكئا ، لما صح أنه قال « لا آكل متكئا » « 1 » . رواه البخاري . وقال : « إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد ، وآكل كما يأكل العبد » « 2 » . وروى ابن ماجة والطبراني بإسناد حسن قال : أهديت للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - شاة ، فجثا على ركبتيه يأكل فقال له أعرابي : ما هذه الجلسة ؟ فقال : « إن اللّه جعلني كريما ولم يجعلني جبارا عنيدا » « 3 » .

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 5398 و 5399 ) في الأطعمة ، باب : الأكل متكئا ، من حديث أبي جحيفة - رضى اللّه عنه - . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) صحيح : أخرجه أبو داود ( 3773 ) في الأطعمة ، باب : ما جاء في الأكل من أعلى الصحفة ، وابن ماجة ( 3263 ) في الأطعمة ، باب : الأكل متكئا ، من حديث عبد اللّه بن بسر - رضى اللّه عنه - ، والحديث صححه الشيخ الألبانى في « صحيح سنن ابن ماجة » .