الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

156

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

أي كيف تدعو ضرورة سيد المعصومين إلى زخرف الدنيا ، وهي وما فيها إنما برزت لأجله ، فكيف يضطر إليها . لكن في كلامه شيء ، فإنه في مقام المديح فلا يليق منه الوصف بالزهد ولا بالضرورة . قال الحليمي في شعب الإيمان : من تعظيم النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - أن لا يوصف بما هو عند الناس من أوصاف الضعة ، فلا يقال كان فقيرا . وأنكر بعضهم إطلاق الزهد في حقه - صلى اللّه عليه وسلم - . وقد حكى صاحب « نثر الدر » عن محمد بن واسع أنه قيل له : فلان زاهد ، قال : وما قدر الدنيا حتى يزهد فيها . وقد ذكر القاضي عياض في الشفاء ، ونقله عنه الشيخ تقى الدين السبكي في كتابه « السيف المسلول » أن فقهاء الأندلس أفتوا بقتل حاتم المتفقه الطليطلى وصلبه لاستخفافه بحق النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم ، وزعمه أن زهده لم يكن قصدا ، ولو قدر على الطيبات لأكلها . انتهى . وقد ذكر الشيخ بدر الدين الزركشي عن بعض الفقهاء المتأخرين أنه كان يقول : لم يكن النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - فقيرا من المال قط ، ولا حاله حال فقير ، بل كان أغنى الناس باللّه ، قد كفى أمر دنياه في نفسه وعياله ، وكان يقول في قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « اللهم أحيني مسكينا » « 1 » إن المراد به استكانة القلب لا المسكنة التي هي أن لا يجد ما يقع موقعا من كفايته . وكان يشدد النكير على من يعتقد خلاف ذلك انتهى . وأما ما يروى أنه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « الفقر فخرى وبه أفتخر » « 2 » فقال شيخ الإسلام والحافظ ابن حجر : هو باطل موضوع . واعلم أنه لم يكن من عادته الكريمة - صلى اللّه عليه وسلم - حبس نفسه الشريفة على نوع واحد من الأغذية لا يتعداه إلى سواه ، فإن ذلك يضر بالطبيعة جدّا ، ولو

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه الترمذي ( 2352 ) في الزهد ، باب : ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم ، من حديث أنس - رضى اللّه عنه - وأخرجه ابن ماجة ( 4126 ) في الزهد ، باب : مجالسة الفقراء ، من حديث أبي سعيد الخدري - رضى اللّه عنه - ، والحديث صححه الشيخ الألبانى في « صحيح الجامع » ( 1261 ) . ( 2 ) باطل موضوع : قاله الحافظ ابن حجر كما في « كشف الخفاء » ( 1835 ) للعجلوني .