الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

138

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

قوله : لا أجد ما أحملكم وبين لا أحملكم انتهى . وهو نظير ما في حديث أبي موسى الأشعري : لما سأله الأشعريون الحملان فقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « ما عندي ما أحملكم » « 1 » . لكن يشكل عليه أنه - صلى اللّه عليه وسلم - حلف لا يحملهم فقال : « واللّه لا أحملكم » « 2 » فيمكن أن يخص من عموم حديث جابر ، ما إذا سئل ما ليس عنده والسائل يتحقق أنه ليس عنده ذلك ، أو حيث كان المقام لا يقتضى الاقتصار على السكوت من الحالة الواقعة ، أو من حال السائل ، كأن لم يكن يعرف العادة ، فلو اقتصر في جوابه على السكوت مع حاجة السائل لتمادى على السؤال مثلا ، ويكون القسم على ذلك تأكيدا لقطع طمع السائل ، والسر في الجمع بين قوله : « لا أجد ما أحملكم » وقوله : « واللّه لا أحملكم » أن الأول لبيان أن الذي سأله لم يكن موجودا عنده ، والثاني أنه لا يتكلف الإجابة إلى ما سئل بالقرض مثلا أو بالاستيهاب ، إذ لا اضطرار حينئذ ، وروى الترمذي أنه حمل إليه تسعون ألف درهم فوضعت على حصير ، ثم قام إليها يقسمها ، فما رد سائلا حتى فرغ منها . قال : وجاءه رجل فقال ما عندي شيء ولكن ابتع على ، فإذا جاءنا شيء قضيناه ، فقال له عمر : ما كلفك اللّه ما لا تقدر ، فكره النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - ، فقال رجل من الأنصار : يا رسول اللّه ، أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا ، فتبسم - صلى اللّه عليه وسلم - وعرف البشر في وجهه . وقال : « بهذا أمرت » « 3 » . وإنما فعل ذلك للمصلحة الداعية لذلك كالاستئلاف ونحوه .

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 3133 ) في الخمس ، باب : ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين ، ومسلم ( 1649 ) في الإيمان ، باب : ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها . ( 2 ) صحيح : وهو جزء مما قبله . ( 3 ) أخرجه الترمذي في « الشمائل » ( 281 ) .