الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

134

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

« أرأيت إن صرعتك أتؤمن باللّه ورسوله ؟ » قال : نعم يا محمد ، فقال له : « تهيأ للمصارعة » قال : تهيأت ، فدنا منه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فأخذه ثم صرعه ، قال فتعجب ركانة من ذلك ، ثم سأله الإقالة والعودة ، ففعل به ذلك ثانيا وثالثا . فوقف ركانة متعجبا وقال : إن شأنك لعجيب « 1 » . رواه الحاكم في مستدركه عن أبي جعفر محمد بن ركانة المصارع ، ورواه أبو داود والترمذي وكذا البيهقي من رواية سعيد بن جبير . وقد صارع - صلى اللّه عليه وسلم - جماعة غير ركانة ، منهم أبو الأسود الجمحي ، كما قاله السهيلي . ورواه البيهقي ، وكان شديدا بلغ من شدته أنه كان يقف على جلد البقرة ، ويجاذب أطرافه عشرة لينزعوه من تحت قدميه ، فيتفرى الجلد ولم يتزحزح عنه ، فدعا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إلى المصارعة وقال : إن صرعتنى آمنت بك ، فصرعه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فلم يؤمن وفي قصته طول . وفي البخاري من حديث البراء ، وسأله رجل من قيس : أفررتم عن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يوم حنين ؟ فقال : فأكببنا على المغانم فاستقبلنا بالسهام . ولقد رأيت النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - وهو على بغلته البيضاء ، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بزمامها وهو يقول : « أنا النبيّ لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب » « 2 » . وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة ، لأنه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى وقد انكشف عنه جيشه ، وهو مع هذا على بغلة ليست بسريعة الجرى ، ولا تصلح لكر ولا فر ولا هرب ، ومع ذلك يركضها إلى وجوههم ، وينوه باسمه ليعرفه من ليس يعرفه - صلوات اللّه وسلامه عليه - . وفي حديث البراء : كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أي جعلناه قدامنا واستقبلنا العدو به ، وقمنا خلفه .

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ( 4078 ) في اللباس ، باب : في العمائم ، والترمذي ( 1784 ) في اللباس ، باب : العمائم على القلانس ، والحاكم في « المستدرك » ( 3 / 511 ) وأبو يعلى في « مسنده » ( 1412 ) ، والطبراني في « الكبير » ( 5 / 71 ) . ( 2 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 2864 ) في الجهاد والسير ، باب : من قاد دابة غيره في الحرب ، ومسلم ( 1776 ) في الجهاد والسير ، باب : غزوة حنين .