الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
588
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وقدم عليه - صلى اللّه عليه وسلم - وفد نصارى نجران « 1 » ، فلما دخلوا المسجد النبوي بعد العصر حانت صلاتهم ، فقاموا يصلون فيه ، فأراد الناس منعهم فقال صلى اللّه عليه وسلم - دعوهم ، فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم . وكانوا ستين راكبا ، منهم أربعة وعشرون رجلا من أشرافهم ، والأربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم ، العاقب ، أمير القوم ، وذو رأيهم وصاحب مشورتهم واسمه عبد المسيح . والسيد : صاحب رحلهم ومجتمعهم ، واسمه الأيهم - بتحتانية ساكنة - ويقال شرحبيل . وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل ، قد شرف فيهم ودرس كتبهم ، وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه ، وكان يعرف أمر النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - وشأنه وصفته مما علمه من الكتب المتقدمة . ولكن حمله جهله على الاستمرار في النصرانية ، لما يرى من تعظيمه ووجاهته عند أهلها . فدعاهم النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - إلى الإسلام ، وتلا عليهم القرآن فامتنعوا ، فقال : « إن أنكرتم ما أقول فهلم أباهلكم » « 2 » . وفي البخاري من حديث حذيفة ، ( جاء السيد والعاقب صاحبا نجران إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يريدان أن يلاعناه - يعنى يباهلاه - فقال أحدهما لا تفعل ) « 3 » . وعند أبي نعيم : أن القائل ذلك هو السيد ، وعند غيره : بل الذي قال ذلك هو العاقب ، لأنه صاحب رأيهم ، وفي زيادات يونس بن بكير في المغازي أن الذي قال ذلك هو شرحبيل . ( فو اللّه لئن كان نبيّا فلاعناه - يعى : باهلناه - لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا - زاد في رواية ابن مسعود : أبدا - ثم قالا : إنا نعطيك ما سألتنا ، وابعث
--> ( 1 ) انظر « السيرة النبوية » لابن هشام ( 1 / 573 - 574 ) ، وابن سعد في « طبقاته » ( 1 / 357 ) ، وابن القيم في « زاد المعاد » ( 3 / 629 ) . ( 2 ) انظر المصادر السابقة . ( 3 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 4380 ) في المغازي ، باب : قصة أهل نجران .