الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
450
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
إذ في ذلك تطويل يفضى بنا إلى العدول عن عرض الاختصار ، فلنذكر من ذلك ما يفتح اللّه تعالى به مما يدل على سواه . وباللّه تعالى أستعين . فأول ذلك ما له - عليه الصلاة والسلام - من معنى الحمد الذي هو اسمه المنبئ عن ذاته ، الذي سائر أسماء أوصافه راجعة إليه ، وهو في المعنى واحد ، وله في الاشتقاق صيغتان : الاسم المبنى صيغته على صيغة « أفعل » المنبئة عن الانتهاء إلى غاية ليس وراءها منتهى ، وهو اسمه « أحمد » . والاسم المبنى على صيغة « التفعل » المنبئة عن التضعيف والتكثير إلى عدد لا ينتهى له الإحصاء وهو اسمه « محمد » . قال السهيلي : « محمد » منقول من الصفة ، فالحمد في اللغة هو الذي يحمد حمدا بعد حمد ، ولا يكون « مفعّل » مثل : مضرب ، وممدح ، إلا لمن تكرر منه الفعل مرة بعد أخرى . وأما « أحمد » وهو اسمه - عليه الصلاة والسلام - الذي سمى به على لسان عيسى وموسى ، فإنه منقول أيضا من الصفة التي معناها التفضيل ، فمعنى « أحمد » أحمد الحامدين لربه ، وكذلك هو في المعنى ، لأنه يفتح عليه في المقام المحمود بمحامد لم تفتح على أحد قبله ، فيحمد ربه بها ، ولذلك يعقد له لواء الحمد . قال : وأما « محمد » فمنقول من صفة أيضا ، وهو في معنى « محمود » . ولكن فيه معنى المبالغة والتكرار ، فالمحمد هو الذي حمد مرة بعد مرة ، كما أن المكرّم من أكرم مرة بعد أخرى ، وكذلك الممدح ونحو ذلك . فاسم « محمد » مطابق لمعناه ، واللّه سبحانه وتعالى سماه به قبل أن يسمى به ، علم من أعلام نبوته - عليه الصلاة والسلام - ، إذ كان اسمه صادقا عليه ، فهو صلى اللّه عليه وسلم - محمود في الدنيا بما هدى إليه ونفع به من العلم والحكمة . وهو محمود في الآخرة بالشفاعة ، فقد تكرر معنى الحمد ، كما يقتضيه اللفظ .