الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

435

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

رابعة ، كما ثبت في حديث عائشة وذلك يوم الأحد . وهذا يؤيد أن خروجه من المدينة كان يوم السبت ، كما تقدم ، فيكون مكثه في الطريق ثماني ليال ، وهي المسافة الوسطى . وخرج معه - عليه السّلام - تسعون ألفا ، ويقال مائة ألف وأربعة عشر ألفا ، ويقال أكثر من ذلك ، كما حكاه البيهقي . ويأتي الكلام على حجة الوداع وما فيها من المباحث في مقصد العبادات إن شاء اللّه تعالى . ثم سرية أسامة بن زيد بن حارثة « 1 » إلى أهل أبنى بالشراة ناحية بالبلقاء ، وكانت يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر ، سنة إحدى عشرة . وهي آخر سرية جهزها النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - وأول شيء جهزه أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه - ، لغزو الروم مكان قتل أبيه زيد . فلما كان يوم الأربعاء بدىء برسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وجعه ، فحمّ وصدع ، فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواء بيده ، فخرج بلوائه معقودا فدفعه إلى بريدة الأسلمي ، وعسكر بالجرف . فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا انتدب ، فيهم أبو بكر وعمر . فتكلم قوم وقالوا : يستعمل هذا الغلام على المهاجرين ؟ فخرج رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وقد عصب رأسه وعليه قطيفة ، فصعد المنبر ، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : « أما بعد ، أيها الناس ، ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ، ولئن طعنتم في إمارتى أسامة فقد طعنتم في إمارتى أباه من قبله ، وأيم اللّه إن كان للإمارة لخليقا ، وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة ، وإن كان لمن أحب الناس إلى ، فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم » « 2 » . ثم نزل عن المنبر فدخل بيته . وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول سنة إحدى عشرة .

--> ( 1 ) انظرها في « الطبقات الكبرى » لابن سعد ( 2 / 145 ) . ( 2 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 3730 ) في المناقب ، باب : مناقب زيد بن حارثة مولى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم - ، ومسلم ( 2426 ) في فضائل الصحابة ، باب : فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد - رضى اللّه عنهما - ، من حديث ابن عمر - رضى اللّه عنهما - بنحوه .