الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

407

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

ثم نادى مناديه - صلى اللّه عليه وسلم - : أيما عبد نزل من الحصين وخرج إلينا فهو حر . قال الدمياطي : فخرج منهم بضعة عشر رجلا فيهم أبو بكرة ، وعند مغلطاى : ثلاثة وعشرون عبدا . وفي البخاري عن أبي عثمان النهدي قال : سمعت سعدا وأبا بكرة عن النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - . . . قال عاصم : « لقد شهد عندك رجلان . . . أما أحدهما فأول من رمى بسهم في سبيل اللّه ، وأما الآخر فنزل إلى النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف » « 1 » الحديث . وأعتق - صلى اللّه عليه وسلم - من نزل منهم ، ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه ، فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة . ولم يؤذن له - صلى اللّه عليه وسلم - في فتح الطائف . وأمر عمر بن الخطاب فأذن في الناس بالرحيل ، فضج الناس من ذلك ، وقالوا : نرحل ولم يفتح علينا الطائف ؟ فقال - صلى اللّه عليه وسلم - : فاغدوا على القتال ، فغدوا فأصاب المسلمين جراحات ، فقال - صلى اللّه عليه وسلم - : إنا قافلون إن شاء اللّه تعالى فسروا بذلك وأذعنوا ، وجعلوا يرحلون ، ورسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يضحك . قال النووي : قصد - صلى اللّه عليه وسلم - الشفقة عليهم والرفق بهم بالرحيل عن الطائف لصعوبة أمره ، وشدة الكفار الذين هم فيه ، وتقويهم بحصنهم ، مع أنه - صلى اللّه عليه وسلم - علم أولا ، أو رجا أنه سيفتحه بعد ذلك بلا مشقة . فلما حرص الصحابة على المقام والجهاد أقام ، وجد فيه القتال حتى أصابتهم الجراح رجع إلى ما كان قصده أولا من الرفق بهم ففرحوا بذلك لما رأوا ممن المشقة الظاهرة ، ووافقوا على الرحيل ، فضحك - صلى اللّه عليه وسلم - تعجبا من تغير رأيهم . وفقئت عين أبي سفيان صخر بن حرب يومئذ ، فذكر ابن سعد أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم - قال له وهي في يده : « أيما أحب إليك عين في الجنة أو أدعو اللّه أن يردها عليك » قال : بل عين في الجنة ورمى بها .

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 4327 ) في المغازي ، باب : غزوة الطائف .