الشيخ عباس القمي

92

منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )

( 1 ) فلم أزل به أداريه والطف به حتى طابت نفسه لي بذلك ، فجهزني إلى الكوفة وقال لي : إذا صرت إليها فاسأل عن دور بني حيّ فإذا دللت عليها فاقصدها في السكة الفلانية وسترى في وسط السكة دارا لها باب صفته كذا وكذا فاعرفه واجلس بعيدا منها في أوّل السكة ، فانّه سيقبل عليك عند المغرب كهل طويل مسنون الوجه قد أثر السجود في جبهته عليه جبة صوف يستقي الماء على جمل وقد انصرف يسوق الجمل لا يضع قدما ولا يرفعها الّا ذكر اللّه عز وجل ودموعه تنحدر ، فقم وسلّم عليه وعانقه فانّه سيذعر منك كما يذعر الوحش ، فعرّفه نفسك وانتسب له ، فانّه يسكن إليك ويحدثك طويلا ويسألك عنّا جميعا ويخبرك بشأنه ولا يضجر بجلوسك معه . ( 2 ) ولا تطل عليه وودّعه فانّه سوف يستعفيك من العودة إليه فافعل ما يأمرك به من ذلك ، فانّك إن عدت إليه توارى عنك واستوحش منك وانتقل عن موضعه وعليه في ذلك مشقة . فقلت : أفعل كما أمرتني ، ثم جهّزني إلى الكوفة وودعته وخرجت ، فلمّا وردت الكوفة قصدت سكة بني حي بعد العصر ، فجلست خارجها بعد أن تعرفت الباب الذي نعته لي ، فلمّا غربت الشمس إذ أنا به قد أقبل يسوق الجمل وهو كما وصف لي أبي لا يرفع قدما ولا يضعها الّا حرك شفتيه بذكر اللّه ودموعه ترقرق في عينيه وتذرف أحيانا . ( 3 ) فقمت فعانقته فذعر منّي كما يذعر الوحش من الانس ، فقلت : يا عم أنا يحيى بن الحسين بن زيد ابن أخيك ، فضمّني إليه وبكى حتى قلت قد جاءت نفسه ، ثم أناخ جمله وجلس معي فجعل يسألني عن أهله رجلا رجلا وامرأة امرأة وصبيا صبيا وأنا أشرح له أخبارهم وهو يبكي . ثم قال : يا بني أنا أستقي على هذا الجمل الماء فاصرف ما اكتسب ، يعني من أجرة الجمل إلى صاحبه وأتقوت باقيه وربما عاقني عائق عن استقاء الماء فأخرج إلى البرية ، يعني بظهر الكوفة ، فالتقط ما يرمي الناس به من البقول فأتقوته . ( 4 ) وقد تزوّجت إلى هذا الرجل ابنته وهو لا يعلم من أنا إلى وقتي هذا ، فولدت منّي بنتا