الشيخ عباس القمي
88
منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )
سر من رأى للمستعين ثم أرجع إلى بغداد ونصب فيها ، فضجّ أهل بغداد وتألّموا وأنكروا قتله ، لحبّهم ايّاه ، وذلك لما رأوا من حسن معاشرته وتورّعه عن أخذ الأموال والكفّ عن الدماء والعدل والاحسان ، ثم دخل على محمد بن عبد اللّه بن طاهر جمع يهنئونه ، ( 1 ) ودخل عليه أيضا أبو هشام الجعفري وقال : أيها الأمير جئت لأهنّئك بقتيل لو كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حيّا لعزّيته فيه ، فلم يجبه محمد فخرج أبو هشام من عنده وقال : يا بني طاهر كلوه وبيّا * انّ لحم النبي غير مريّ انّ وترا يكون طالبه اللّه * لوتر نجاحه بالحريّ « 1 » ثم أمر محمد بإرسال أهل بيت يحيى اسرى إلى خراسان ، وقال : انّ رؤوس أولاد الأنبياء في أيّ بيت كانت تكون سببا لزوال نعمة ذلك البيت وبركته . ( 2 ) روى أبو الفرج عن ابن عمار قال : وأدخل الأسارى من أصحاب يحيى إلى بغداد ولم يكن فيما رؤي قبل ذلك من الأسارى أحد لحقه ما لحقهم من العسف وسوء الحال ، وكانوا يساقون وهم حفاة سوقا عنيفا فمن تأخر ضربت عنقه ، فورد كتاب المستعين بتخلية سبيلهم فخلّوا الّا رجلا يعرف بإسحاق بن جناح كان صاحب شرطة يحيى بن عمر ، فانّه لم يزل محبوسا حتى مات . فأخرج رحمه اللّه بثيابه ملفوفا في كساء قومسي « 2 » على نعش حتى جاءوا به إلى خربة فطرح على الأرض وألقي عليه حائط رحمة اللّه عليه « 3 » . ( 3 ) على أية حال ، كان يحيى رجلا شريفا ورعا متديّنا كثير الخير والاحسان عطوفا رؤوفا محام عن الطالبيين محبا لهم محسنا إليهم ، فلذا أثّر قتله في قلوب الناس وتألّموا كثيرا صغيرهم
--> ( 1 ) الحريّ : وهو الخليق والجدير والمناسب . ( 2 ) كساء قومسي : كساء أميري . ( 3 ) مقاتل الطالبيين ، ص 423 .