الشيخ عباس القمي

545

منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )

فخرج ياسر وأنا ألطم حرّ وجهي ، فما كان بأسرع من أن رجع ياسر ، فقال : البشرى يا أمير المؤمنين ، قال : لك البشرى ، فما عندك ؟ ( 1 ) قال ياسر : دخلت عليه ، فإذا هو جالس وعليه قميص ودوّاج « 1 » وهو يستاك ؛ فسلّمت عليه وقلت : يا ابن رسول اللّه ، أحبّ أن تهب لي قميصك هذا أصلّي فيه ، وأتبرّك به ، وإنمّا أردت أن أنظر إليه وإلى جسده ، هل به أثر السيف ؟ [ قال : لا ، بل أكسوك خيرا من هذا . فقلت : يا ابن رسول اللّه ، لا أريد غير هذا ، فخلعه وأنا أنظر إليه وإلى جسده هل به أثر السيف ؟ ] فو اللّه كانّه العاج الذي مسّته صفرة ، ما به أثر . ( 2 ) [ قال : ] فبكى المأمون طويلا ، وقال : ما بقي مع هذا شيء ، انّ هذا لعبرة للأوّلين والآخرين ، وقال : يا ياسر ! امّا ركوبي إليه ، وأخذي السيف ، ودخولي عليه فانّي ذاكر له ، وخروجي عنه فلست أذكر شيئا غيره ، ولا أذكر أيضا انصرافي إلى مجلسي ، فكيف كان أمري وذهابي إليه ؟ لعنة اللّه على هذه الابنة لعنا وبيلا ، تقدّم إليها وقل لها : يقول لك أبوك : واللّه لئن جئتني بعد هذا اليوم وشكوت [ منه ] ، أو خرجت بغير إذنه ، لأنتقمنّ له منك ، ثمّ سر إلى ابن الرضا ، وأبلغه عنّي السلام واحمل إليه عشرين ألف دينار ، وقدّم إليه الشّهريّ « 2 » الذي ركبته البارحة ، ثمّ مر بعد ذلك الهاشميين ان يدخلوا عليه بالسلام ، ويسلّموا عليه . ( 3 ) قال ياسر : فأمرت لهم بذلك ، ودخلت أنا أيضا معهم ، وسلّمت عليه وأبلغت التسليم ، ووضعت المال بين يديه ، وعرضت الشّهريّ عليه ، فنظر إليه ساعة ، ثم تبسّم ، فقال : يا ياسر ! هكذا كان العهد بيننا ، [ وبين أبي ] وبينه حتّى يهجم عليّ بالسيف ، أما علم انّ لي ناصرا وحاجزا يحجز بيني وبينه ؟ فقلت : يا سيّدي ، يا ابن رسول اللّه ( دع عنك هذا العتاب ، واصفح ، واللّه وحق جدّك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ) ما كان يعقل شيئا من أمره ، وما علم أين هو من أرض اللّه ؟ وقد نذر للّه نذرا

--> ( 1 ) الدوّاج : معطف غليظ . ( 2 ) الشهريّة ( بالكسر ) : ضرب من البراذين .