الشيخ عباس القمي
495
منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )
إليك ؟ فان قال لك : بل نصير إليه ، فاسأله عني أن يقدم ذلك ، قال : فجئته ، فلمّا اطّلعت عليه ، قال لي : يا هرثمة أليس قد حفظت ما أوصيتك به ، قلت : بلى ، قال : قدموا إليّ نعلي ، فقد علمت ما أرسلك به . ( 1 ) قال : فقدمت نعليه ومشى إليه ؛ فلمّا دخل المجلس قام إليه المأمون قائما ، فعانقه وقبّل ما بين عينيه وأجلسه إلى جانبه على سريره وأقبل عليه يحادثه ساعة من النهار طويلة ، ثم قال لبعض غلمانه : يؤتى بعنب ورمان . ( 2 ) قال هرثمة : فلمّا سمعت ذلك لم أستطع الصبر ورأيت النفضة « 1 » قد عرضت في بدني ، فكرهت ان يتبين ذلك فيّ ، فتراجعت القهقرى حتى خرجت ، فرميت نفسي في موضع من الدار ، فلمّا قرب زوال الشمس أحسست بسيدي قد خرج من عنده ورجع إلى داره ، ثم رأيت الأمر قد خرج من عند المأمون باحضار الأطباء والمترفقين ، فقلت : ما هذا ؟ فقيل لي : علة عرضت لأبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السّلام وكان الناس في شك وكنت على يقين لما أعرف منه ، قال : فما كان « 2 » من الثلث الثاني من الليل ، علا الصياح وسمعت الصيحة من الدار ، فأسرعت فيمن أسرع ، فإذا نحن بالمأمون مكشوف الرأس ، محلل الأزرار ، قائما على قدميه ، ينتحب ويبكي . ( 3 ) قال : فوقفت فيمن وقف وأنا أتنفس الصعداء ، ثم أصبحنا ، فجلس المأمون للتعزية ؛ ثم قام فمشى إلى الموضع الذي فيه سيدنا عليه السّلام ؛ فقال : اصلحوا لنا موضعا ، فاني أريد أن أغسله فدنوت منه ؛ فقلت له ما قاله سيدي بسبب الغسل والتكفين والدفن ؛ فقال لي : لست أعرض لذلك ، ثم قال : شأنك يا هرثمة . قال : فلم أزل قائما حتى رأيت الفسطاط قد ضرب ، فوقفت من ظاهره وكل من في الدار
--> ( 1 ) النفضة : رعدة لحمي « لرز » . ( 2 ) في البحار والعوالم : ( فلمّا كان ) .