الشيخ عباس القمي

475

منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )

سل يا عمران وعليك بالنصفة ، وإياك والخطل والجور ، قال : واللّه يا سيدي ما أريد الّا أن تثبت لي شيئا أتعلّق به فلا أجوزه ، قال عليه السّلام : سل عمّا بدا لك ، فازدحم عليه الناس وانضمّ بعضهم إلى بعض ، فقال عمران الصابئ : أخبرني عن الكائن الأوّل وعمّا خلق . ( 1 ) قال عليه السّلام : سألت فافهم ، أمّا الواحد فلم يزل واحدا كائنا لا شيء معه بلا حدود ولا أعراض ولا يزال كذلك ، ثم خلق خلقا مبتدعا مختلفا بأعراض وحدود مختلفة لا في شيء أقامه ، ولا في شيء حدّه ، ولا على شيء حذاه ، ولا مثّله له ، فجعل من بعد ذلك الخلق صفوة وغير صفوة واختلافا وائتلافا وألوانا وذوقا وطعما لا لحاجة كانت منه إلى ذلك ولا لفضل منزلة لم يبلغها الّا به ، ولا رأى لنفسه فيما خلق زيادة ولا نقصانا ، تعقل هذا يا عمران ؟ قال : نعم واللّه يا سيدي . قال عليه السّلام : واعلم يا عمران إنّه لو كان خلق ما خلق لحاجة لم يخلق إلّا من يستعين به على حاجته ، ولكان ينبغي أن يخلق أضعاف ما خلق لأنّ الأعوان كلّما كثروا كان صاحبهم أقوى ، والحاجة يا عمران لا يسعها لأنّه لم يحدث من الخلق شيئا إلّا حدثت فيه حاجة أخرى « 1 » ، ولذلك أقول : لم يخلق الخلق لحاجة ، ولكن نقل بالخلق الحوائج بعضهم إلى بعض ، وفضّل بعضهم على بعض بلا حاجة منه إلى من فضّل ولا نقمة منه على من أذلّ ، فلهذا خلق . قال عمران : يا سيدي هل كان الكائن معلوما في نفسه عند نفسه ؟ قال الرضا عليه السّلام : إنما تكون المعلمة بالشيء لنفي خلافه وليكون الشيء نفسه بما نفي عنه موجودا ، ولم يكن هناك شيء يخالفه ، فتدعوه الحاجة إلى نفي ذلك الشيء عن نفسه بتحديد علم منها « 2 » أفهمت

--> ( 1 ) أي لو كان خلق ما خلق لحاجة لا يسع اللّه الحاجة ولا يصل إلى النهاية في الحاجة ، لانّه كلّما أحدث شيئا من الخلق لرفع حاجته حدثت في اللّه حاجة أخرى ، وذلك لأنّ المحتاج في أموره يحتاج في كل شيء بيده إلى أشياء غيره كما هو الشأن في الناس . ( 2 ) تفصيل سؤاله : انّه تعالى لو كان لم يزل واحدا كائنا لا شيء معه بلا حدود ولا أعراض لم يكن عالما بذاته ، لأنّ معلومية شيء عند العالم به يستلزم صورة حاصلة منه في نفس العالم وهذا ينافي وحدته المطلقة . والجواب : انّ ذلك غير لازم في عالم الشيء بنفسه لانّ المعلمة أي الصورة الذهنيّة إنمّا تحتاج إليها ليتعيّن