الشيخ عباس القمي
25
منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )
« انّ الدنيا قد ارتحلت مدبرة وانّ الآخرة قد ارتحلت مقبلة ولكل واحدة منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا ( ألا ) وكونوا من الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة ، الا انّ الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطا والتراب فراشا والماء طيبا وقرّضوا من الدنيا تقريضا « 1 » . ( 1 ) ألا ومن اشتاق إلى الجنّة سلا عن الشهوات ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب . ( 2 ) ألا انّ للّه عبادا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلّدين وكمن رأى أهل النار في النار معذّبين ، شرورهم مأمونة وقلوبهم محزونة ، أنفسهم عفيفة وحوائجهم خفيفة ، صبروا أياما قليلة فصاروا بعقبى راحة طويلة ، اما الليل فصافّون أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم وهم يجأرون إلى ربّهم « 2 » يسعون في فكاك رقابهم ، واما النهار فحكماء علماء بررة أتقياء كأنّهم القداح « 3 » قد برأهم الخوف من العبادة ، ينظر إليهم الناظر فيقول : مرضى وما بالقوم من مرض ، أم خولطوا فقد خالط القوم أمر عظيم ، من ذكر النار وما فيها « 4 » . ( 3 ) الخامسة : روي في كشف الغمة عن الإمام محمد الباقر عليه السّلام انّه قال : أوصاني أبي فقال : يا بني لا تصحبنّ خمسة ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق ، فقلت : جعلت فداك يا أبة من هؤلاء الخمسة ؟ قال : لا تصحبنّ فاسقا فانّه يبيعك بأكلة فما دونها ، فقلت : يا أبة وما دونها ؟ قال : يطمع فيها ثم لا ينالها ، قال : قلت : يا أبة ومن الثاني ؟ قال : لا تصحبنّ البخيل فانّه يقطع بك في ماله أحوج ما كنت إليه ، قال فقلت : ومن
--> ( 1 ) أي قطعوا أنفسهم عن الدنيا وعلائقها تقطيعا باقلاع قلوبهم عنها . ( 2 ) يجأرون : أي يتضرّعون . ( 3 ) القداح : السهم بلا ريش ولا نصل ، شبّههم في نحافة أبدانهم بالسهام . ( 4 ) راجع الكافي ، ج 2 ، ص 107 ، باب ذمّ الدنيا والزهد فيها - عنه في البحار ، ج 73 ، ص 43 ، ح 18 .