الشيخ عباس القمي

174

منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )

ذلك قوس الشيخ ثم تناول منه سهما ، فوضعه في كبد القوس ثم انتزع ورمى وسط الغرض فنصبه فيه ، ثم رمى فيه الثانية فشق فواق « 1 » سهمه إلى نصله ، ثم تابع الرّمي حتى شقّ تسعة أسهم بعضها في جوف بعض ، وهشام يضطرب في مجلسه فلم يتمالك أن قال : أجدت يا أبا جعفر وأنت أرمى العرب والعجم ، هلّا زعمت انّك كبرت عن الرمي ، ثم أدركته ندامة على ما قال . ( 1 ) وكان هشام لم يكن كنّى أحدا قبل أبي ولا بعده في خلافته ، فهمّ به وأطرق إلى الأرض إطراقة يتروّى فيه وأنا وأبي واقف حذاءه مواجهين له ، فلمّا طال وقوفنا غضب أبي فهمّ به ، وكان أبي عليه السّلام إذا غضب نظر إلى السماء نظر غضبان يرى الناظر الغضب في وجهه ، فلمّا نظر هشام إلى ذلك من أبي قال له : إليّ يا محمد ، فصعد أبي إلى السرير وأنا أتبعه ، فلمّا دنا من هشام قام إليه واعتنقه وأقعده عن يمينه ثم اعتنقني وأقعدني عن يمين أبي . ( 2 ) ثم أقبل على أبي بوجهه فقال له : يا محمد لا تزال العرب والعجم تسودها قريش ما دام فيهم مثلك ، للّه درّك من علّمك هذا الرمي ؟ وفي كم تعلّمته ؟ فقال أبي : قد علمت أنّ أهل المدينة يتعاطونه فتعاطيته ايّام حداثتي ثم تركته ، فلمّا أراد أمير المؤمنين منّي ذلك عدت فيه ، فقال له : ما رأيت مثل هذا الرمي قط مذ عقلت ، وما ظننت انّ في الأرض أحدا يرمي مثل هذا الرمي ، أيرمي جعفر مثل رميك ؟ فقال : إنّا نحن نتوارث الكمال والتمام الذين أنزلهما اللّه على نبيه صلّى اللّه عليه وآله في قوله : . . . الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً . . . « 2 » . والأرض لا تخلو ممّن يكمل هذه الأمور التي يقصر غيرنا عنها . ( 3 ) قال : فلمّا سمع ذلك من أبي انقلبت عينه اليمنى فاحولّت واحمرّ وجهه وكان ذلك علامة غضبه إذا غضب ، ثم أطرق هنيئة ثم رفع رأسه ، فقال لأبي : ألسنا بنو عبد مناف نسبا

--> ( 1 ) الفوق : موضع الوتر من السهم . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية 3 .