الشيخ عباس القمي
67
منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )
( 1 ) وكان من سيرته في جزء الأمة ايثار أهل الفضل باذنه وقسمه على قدر فضلهم في الدين ، فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والأمّة من مسألته عنهم وأخبارهم بالذي ينبغي ، ويقول : « ليبلّغ الشاهد منكم الغائب ، وأبلغوني حاجة من لا يقدر على ابلاغ حاجته » لا يقيد من أحد عثرة ، يدخلون روّادا ولا يفترقون الّا عن ذواق ويخرجون أدلّة ، يحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه ويتفقّد أصحابه ، لا يغفل مخافة ان يغفلوا أو يميلوا ، ولا يقصر عن الحقّ ولا يجوزه ، الذين يلونه من الناس خيارهم ، أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة للمسلمين ، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة وموازرة . ( 2 ) لا يجلس ولا يقوم الا على ذكر ، ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها ، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك ، ويعطي كل جلسائه نصيبه ، ولا يحسب أحد من جلسائه أنّ أحدا أكرم عليه منه ، من جالسه صابره حتى يكون هو المنصرف عنه ، من سأله حاجة لم يرجع الّا بها أو بميسور من القول ، قد وسع الناس منه خلقه ، وصار لهم أبا ، وصاروا عنده في الحقّ سواء ، مجلسه مجلس حلم وحياء وصدق وأمانة ، لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن فيه الحرم ولا تنثى فلتأته ، متعادلين متواصلين فيه بالتقوى ، متواضعين يوقّرون الكبير ، ويرحمون الصغير ، ويؤثرون ذا الحاجة ، ويحفظون الغريب . ( 3 ) كان دائم البشر ، سهل الخلق ، ليّن الجانب ، ليس بفظّ ولا صخّاب ولا فحّاش ولا عيّاب ولا مدّاح ، يتغافل عمّا لا يشتهي ، فلا يؤيس منه ولا يخيّب فيه مؤمّليه ، كان لا يذمّ أحدا ، ولا يعيره ، ولا يطلب عورته ولا عثراته » « 1 » . وفي خبر انّه جاء شاب إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله فقال له : أتأذن لي بالزنا ، فنهره الأصحاب واغلظوا عليه ، فأدناه النبي صلّى اللّه عليه وآله منه وقال له : ا تحبّ أن يزنى بأمّك أو أختك أو بنتك أو خالتك أو عمّتك ؟ قال : لا يا رسول اللّه ، فقال له : كلّ الناس كذلك ، ثمّ وضع يده المباركة على صدره
--> ( 1 ) البحار ، ج 16 ، ص 148 إلى 153 ، مع الاختصار