الشيخ عباس القمي
63
منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )
فجعلت تبادر سائر الحمر اسراعا وقوة ونشاطا ، واستقبلت الكعبة وسجدت لها ثلاث مرات ، وقالت : برئت من مرضي وسلمت من غثّي وعليّ سيد المرسلين وخاتم النبيين وخير الأولين والآخرين ، فكان الناس يتعجبون منها ومن سمني وبرئي ودرّ لبني . ( 1 ) فلمّا انتهينا إلى غار خرج رجل يتلألأ نوره إلى عنان السماء وسلّم عليه وقال : انّ اللّه تعالى وكّلني برعايته ، وقابلنا ظباء وقلن : يا حليمة لا تعرفين من تربين هو أطيب الأطيبين وأطهر الأطهرين ، وما علونا قلعة ولا هبطنا واديا الّا سلّموا عليه فعرفت البركة والزيادة في معاشنا ورياشنا حتى اثرينا وكثرت مواشينا وأموالنا ولم يحدث في ثيابه ولم تبد عورته ولم يحتج في اليوم الّا مرّة وكنت أرى شابا على فراشه يعدل له ثيابه ، فربيته خمس سنين ويومين . ( 2 ) فقال لي يوما : أين يذهب اخواني كل يوم ؟ قلت : يرعون غنما ، فقال : انّني اليوم أرافقهم فلمّا ذهب معهم أخذه ملائكة وعلوّه على قلّة جبل وقاموا بغسله وتنظيفه فأتاني ابني وقال : ادركي محمدا فإنه قد سلب ، فأتيته فإذا هو بنور يسطع في السماء فقبلته ، فقلت : ما أصابك ؟ قال : لا تحزني انّ اللّه معنا ، فانتشر منه فوح مسك أذفر ، فرآه كاهن وصاح وقال : هذا الذي يقهر الملوك ويفرّق العرب » . وروي عن ابن عباس انّه قال : كان يقرب إلى الصبيان يصبحهم فيختلسون ويكفّ ويصبح الصبيان غمصا رمصا « 1 » ويصبح صقيلا دهينا « 2 » . ( 3 ) ونادى شيخ على الكعبة يا عبد المطّلب انّ حليمة امرأة عربية وقد فقدت ابنها اسمه محمد ، فغضب عبد المطّلب وكان إذا غضب خاف الناس منه ، فنادى يا بني هاشم ، يا بني غالب اركبوا فقد محمد ، وحلف ان لا أنزل حتى أجد محمدا أو أقتل ألف اعرابي ومائة قرشيّ وكان يطوف حول الكعبة وينشد اشعارا منها :
--> ( 1 ) غمصا رمصا : الغمص هو شيء ترمى به العين مثل الزبد يجمد ويكون في ناحية العين والرمص الذي يكون في أصول الهدب / لسان العرب ( ص ) . ( 2 ) صقيلا دهينا : الصقل هو الجلاء والصقيل : جلاه ؛ دهينا : أي كأنه مطلي بالدهن / لسان العرب ( ل ) .