العلامة المجلسي

43

بحار الأنوار

أن لو قام قائمنا لجمع الله جميع شيعتنا من جميع البلدان ، وفي بعضها لقد نزلت هذه الآية في أصحاب القائم وأنهم مفتقدون عن فرشهم ليلا فيصبحون بمكة ، وبعضهم يسير في السحاب نهارا نعرف اسمه واسم أبيه وحليته ونسبه . " إن الله على كل شئ قدير " فيقدر على الإماتة والاحياء والجمع . " ومن حيث خرجت " للسفر في البلاد ( 1 ) " فول وجهك شطر المسجد الحرام " إذا صليت " وإنه للحق من ربك " أي وإن التوجه إلى الكعبة للحق الثابت المأمور به من ربك . " ومن حيث خرجت " قيل كرر هذا الحكم لتكرر علله ، فإنه تعالى ذكر للتحويل ثلاث علل : تعظيم الرسول بابتغاء مرضاته ، وجري العادة الإلهية على أن يولي كل أهل ملة وصاحب دعوة وجهة يستقبلها ويتميز بها ، ودفع حجج المخالفين وقرن بكل علة معلولها كما يقرن المدلول بكل واحد من دلائله ، تقريبا وتقريرا مع أن القبلة لها شأن ، والنسخ من مظان الفتنة والشبهة ، فبالحري أن يؤكد أمرها ويعاد ذكرها مرة بعد أخرى . " لئلا يكون للناس عليكم حجة " علة لقوله " فولوا ( 2 ) والمعنى أن التولية

--> ( 1 ) بل الظاهر من الخروج ، الخروج من المسجد الحرام ، والمعنى ومن حيث خرجت من المسجد الحرام فول وجهك شطر المسجد الحرام ، وأما في المسجد الحرام فالامر أوضح من أن نذكره ، فإنه أشرف موضع منه وهو قواعد البيت . ( 2 ) قد عرفت ذيل قوله تعالى " لله المشرق والمغرب " أن الآية كانت ردا على السفهاء من الناس الذين كانوا يحتجون على المسلمين بأنهم مستقبلون قبلة اليهود وتابعون لملتهم في أخص شعائرهم ، وليس لهم ملة خاصة ، فان لكل ملة وجهة هو موليها . فرد الله عليهم بما عرفت ، ثم أراد حسم مادة الاحتجاج رأسا فغير قبلة المسلمين حتى يكون لهم وجهة أخرى غير وجهتهم ويثبت كونهم ملة مستقلة غير تابع لملة اليهود ، ورد عليهم أيضا احتجاجهم الذي لم يأتوا به بعد ، بقوله : " لئلا يكون للناس عليكم حجة الا الذين ظلموا منهم " أي ان هؤلاء السفهاء بصدد الظلم وكتمان الحق والصد عن سبيل الله وذلك لا تنقطع احتجاجاتهم بعد تحويل القبلة وسيقولون كيت وكيت " فلا تخشوهم " بعد ذلك في أراجيفهم ، فان حجتهم داحضة لا تقع موقع القبول ، خصوصا وقد أخبرنا بذلك قبلا ، وهذه آية أخرى لكم في اثبات حقيتكم وأن تحويل القبلة كانت من عند الله العزيز الحكيم عالم الغيب والشهادة . فقد لهجوا بذلك - طبقا لوعد القرآن الكريم - بعد تحويل قبلة المسلمين بأنه " ان كانت قبلتهم الأولى حقا فصلواتهم هذه التي يصلونها إلى المسجد الحرام باطلة ، وان كانت قبلتهم هذه حقا فصلواتهم إلى القبلة الأولى طيلة عشر سنوات وأكثر باطلة . ولكن الله عز وجل قد كان أجاب عن شبهتهم ذلك بأن " قل لله المشرق والمغرب " وسلى خاطر المسلمين بقوله : " وما كان ليضيع ايمانكم ان الله بالناس لرؤف رحيم " . على ما عرفت شرحه في ص 38 .