العلامة المجلسي

38

بحار الأنوار

وقيل للكعبة " لكبيرة " اي ثقيلة شاقة " إلا على الذين هدى الله " أي هداهم الله للثبات والبقاء على دينه ، والصدق في اتباع الرسول صلى الله عليه وآله . " وما كان الله ليضيع " اللام لام الجحود لتأكيد النفي ، ينتصب الفعل بعدها بتقدير أن ، والخطاب للمؤمنين تأييدا لهم وترغيبا في الثبات " إيمانكم " قيل أي ثباتكم على الايمان ورسوخكم فيه ، وقيل إيمانكم بالقبلة المنسوخة ، أو صلاتكم إليها كما سيأتي في الرواية ، وعن ابن عباس لما حولت القبلة قال ناس كيف أعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى ، وكيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك ؟ فنزلت " إن الله بالناس لرؤف رحيم " فلا يضيع أجورهم ( 1 ) .

--> ( 1 ) بل الآية جواب عن مزعمة اليهود واحتجاجهم الذي سيوردونها على المسلمين بعد الاعراض عن قبلتهم إلى المسجد الحرام ، واحتجاجهم هو أنه لو كانت قبلتهم هذه التي استقبلوها في صلواتهم حقا وهي التي ولاهم الله إياها وجعلها وجهة خاصة بهم يمتاز بها ملتهم عن سائر الملل ، فصلواتهم التي صلوها طيلة عشر سنوات بل وأكثر إلى قبلتنا باطلة ، وان كانت قبلتهم الأولى حقا وصلواتهم التي صلوا إليها صحيحة فصلواتهم هذه التي يصلونها باطلة ، وان قال المسلمون ان صلواتنا كلها صحيحة والقبلتان كل واحدة منهما حق في ظرفه وأوانه لزم هذا النسخ المستحيل على الله لكونه بداء . فأشار الله عز وجل إلى رد مزعمتهم من استحالة النسخ بقوله " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها الا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وان كانت لكبيرة الا على الذين هدى الله " أي أنها كبيرة يشق احتمالها وهضمها والتصديق بأن كلتا القبلتين حكم مرضى لله عز وجل بعد ما سول لهم الشيطان بأن ذلك من البداء المستحيل ، الا على الذين هداهم الله إلى حقائق الايمان فاعترفوا بالنسخ والبداء تسليما واخلاصا لله وحسن بلائه . ثم خاطب المؤمنين تسلية لهم وقال : " وما كان الله ليضيع ايمانكم " فإنكم آمنتم بالقبلة الأولى ، ثم لما وجهتكم عنها إلى غيرها قبلتم وآمنتم وصدقتم ، فصلواتكم كلها إلى القبلتين مقبولة غير ضايعة عند ربكم لأنها كانت عن ايمان . فالايمان في الآية بمعناه الأصلي ، لكنها لما كان متعلقا بأمر القبلة في صلواتهم تأوله المفسرون بالصلاة ، فافهم ذلك .