القاضي النعمان المغربي

28

المناقب والمثالب

فقال : سل أمك تخبرك . فأتاها فسألها ، فقالت : أنت أكرم منهم نفسا ووالدا ونسبا ، أنت ابن كلاب بن مرة ، وقومك آل اللّه في حرمه وعند بيته . فكره قصي المقام دون مكة وأحب اللحوق بها ، فقالت له أمه : أي بني ، إني أخاف عليك ، ولكن أقم حتى يجيء الشهر الحرام فتخرج في حجاج قضاعة ، ففعل ، فلمّا صار إلى مكة أقام بها ، ونشأ على الشرف والسؤدد ومكارم الأخلاق ، وكان رجلا جلدا نهدا حليما عاقلا وقورا عفيفا كريما ، قد فضّله اللّه بأبوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وجعل النبوة في ذريته ، فأكمل له خصال الخير والشرف ، وخطب قصي إلى حليل بن حبشة بن سلول الخزاعي ابنته حبى بنت حليل ، وكان حليل يومئذ يلي الكعبة وأمر مكة ، فعرف حليل قدره ونسبه ، فزوجه فولدت منه عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى وعبدا بني قصي « 1 » وكانوا سادة وأشرافا ، وكان عبد مناف أفضلهم ، لما اختصه اللّه به من أبوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وجعل النبوة في ذريته ، وقد ذكرنا شرفه ، ولبني قصي يقول الحرث بن ظالم : إذا فارقت ثعلبة بن سعد * وإخوتهم نسبت إلى لؤي إلى نسب كريم غير وغل * وحيّهم أكارم كل حي فلن يعصب بهم نسبي * فمنهم قرابين الإله بنو قصي « 2 » . فقيل : جعلهم قرابين الإله يتقرب إلى اللّه بهم ، لأنهم قطين البيت وسكان الحرم وأهل اللّه وحجّاب بيته وأهل السقاية والرفادة والسيادة والرئاسة واللواء والندوة ومكارم مكة ، وكانوا على إرث من دين أبويهم إبراهيم وإسماعيل عليهم السّلام من قرى الضيوف ورفد الحاج والمعتمر وتعظيم الحرم ومنعه من الظلم والإلحاد فيه وقمع الظالم ومنح المظلوم .

--> ( 1 ) - عمدة الطالب : 26 . ( 2 ) - تاريخ اليعقوبي : 1 / 235 .